كتاب “نحن والآخرون” الصادر سنة 1989 للكاتب والمفكّر البلغاري الفرنسي تزفتان تودوروف، هو من المراجع المهمة لفهم علاقة الذات بالآخر، سعى فيه صاحبه إلى الدفاع عن فكرة التعدديّة الثقافيّة، وذلك في مواجهة الخطابات الطائفيّة والدغمائية التي زرعت الكراهيّة وغيّبت مفاهيم أصيلة مثل الحِلْم، السلام، التسامح والعيش المشترك. وحلّل تودوروف المواقف السائدة للمفكرين والأدباء في أوروبا آنذاك، واستقرأ آراءهم تجاه الآخر، فتوصّل إلى اختلاف شديد بينهم؛ فقد مثّل “مونتانيي” (ق16م) و”رنان” (ق19م) و”توكفييل” التمركز الإثني بامتياز، فبدَوْا متعصبين لفرنسا وأهلها ولغتها، واعتبر تودوروف هذه المواقف مشينة؛ لأنها ترسّخ مفهوم التعصّب الإثني. في حين مثّل “مونتاسكيو” و”روسو” (ق18م) بانفتاحهم نموذجا يُحتذى في التعامل مع الآخر وأدانا المفكّرين المتعصّبين.، وانتهى تودوروف هو أيضاً إلى الدعوة إلى الاعتدال متجاوزاً الاحتكام إلى ثنائيّة الأنا والآخر في النظر إلى الأشخاص إلى ثنائية الخير والشرّ مهما كان الأنا أو الآخر.
وبالرغم من مرور زهاء أربعة عقود على صدور الكتاب، إلا أنه حافظ على أهميّته، ولاسيّما في هذا السياق الكوني الجديد وهذه اللحظة الفارقة من تاريخ الإنسانية؛ حيث العالم قرية واحدة والجميع منفتح على الجميع بفضل الطفرة الإلكترونية الحاصلة، لكن الكثير من هؤلاء لا يزال يتوجّس خيفة من الآخر فيرفضه إلى درجة إقصائه. لقد تناول تودوروف في هذا الكتاب سبب الصراعات البشريّة منذ الأزل، والتي لا نزال نرزح تحت نير ظلماتها.
فالحروب القائمة اليوم والفتن المنتشرة باسم الطائفة أو الدين أو العرق أو اللون.. إنما مردّ جزء كبير منها إلى مدى تقبّلنا لاختلافنا وتعايشنا مع الآخر.
وقد أدّى هذا الفكرُ الاثني المركزيُّ وهذا التعصّبُ القوميّ إلى الحروب الاستعمارية، وجرّ العالم اليوم إلى ما نحن عليه، بالرّغم من دعوات تودوروف ومفكرين آخرين إلى الاعتدال وتنسيب الأمور من أجل أن يتعايش المختلفون، ومن أجل ألا تكون تلك الواوُ في العنوان (نحن وَالآخرون) واوَ التّفرقة والعنصريّة، واو التمذهب والطائفيّة، واوَ التعصب للدين والعرق والجنسيّة. نعم نريدها واوَ المعيّة لا واوَ التبعيّةِ، واوَ القضيّةِ لا واو البليّة؛ قضية الإنسانية في احترامها لتعدّدها واختلافها، واوَ التسامح والقبول بالعيش مع الآخر في وطن يحتضن الجميع.
كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية