العدد 6146
الثلاثاء 12 أغسطس 2025
المهندسون الجدد: مجموعة بريكس وإعادة تشكيل النظام العالمي
الثلاثاء 12 أغسطس 2025

في يوليو 2025، شهدت ريو دي جانيرو انعقاد القمة التاريخية لقادة مجموعة بريكس التي شكلّت منعطفًا حاسمًا في الخريطة الجيوسياسية العالمية. بانضمام إندونيسيا كعضو كامل وعشر دول شريكة للحوار، باتت المجموعة تمثل 47 % من سكاّن العالم و36 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، محولةً هذه المؤشرات الكمية إلى قوة جيوسياسية فاعلة تتحدى الهيمنة الغربية الممتدة منذ القرن السادس عشر. وسرعان ما تبنّت وسائل الإعلام الدولية - كمجلّة الإيكونوميست - مصطلح “حقبة ما بعد الغرب” لوصف التحول الجذري في موازين القوى العالمية، حيث تتحول اقتصادات الجنوب العالمي من متبّنية للسياسات إلى صناّعها.
وأحدثت القمّة تحوّلات مؤسّسية عميقة شملت إقرار نظام العضوية متعددة المستويات، مما مكّن دولاً كالجزائر ومصر والأرجنتين من الانضمام كأعضاء منتسبين مع الحفاظ على كفاءة عمليات اتّخاذ القرار. وتشير نماذج المحاكاة الاقتصادية إلى أن هذا التوسّع قد يرفع حجم التبادل التجاري البيني إلى 1.2 تريليون دولار مع حلول 2027. كما تميّزت القمّة بإطلاق المنصّة الرقمية للسياسات المشتركة التي حقّقت كفاءة غير مسبوقة في تنسيق المواقف عبر 18 منطقة زمنية، وهو ما تجلّى بوضوح خلال أزمة مضيق باب المندب حيث ساهمت في خفض تكاليف الشحن البحري بنسبة 23 %.
على صعيد التمويل المناخي، قدّمت بريكس نموذجًا تحويليًّا عبر مركز مقاصة ائتمانات الكربون الذي يعمل بآلية تداول متعدّدة العملات، مستقطبًا 89 مشروعًا استثماريًّا بقيمة 4.3 مليار دولار خلال أشهر فقط. كما تفوّقت المجموعة على دول السبع بتخصيص 17 مليار دولار لصندوق الانتقال العادل، مدعومًا باتحاد البيانات المناخية الذي يدمج الأقمار الصناعية الهندية مع أنظمة الرصد البرازيلية لإنشاء أول نظام مناخي مستقلّ عن المراكز الغربية.
اقتصاديًّا، تعيد بريكس تشكيل أنماط التجارة العالمية عبر ارتفاع حصّة التبادل بالعملات المحلية من 12 % إلى 39 %، بينما انخفضت هيمنة دول السبع على صادرات التصنيع العالمية من 68 % إلى 41 % خلال العقد الجاري. كما قفزت المدفوعات الرقمية العابرة للحدود من 3 مليارات إلى 287 مليار دولار، مؤكّدةً نجاح استراتيجية استحداث النظام المالي البديل. 
وفي مجال التمويل يلعب البنك الجديد للتنمية التابع لمجموعة بريكس دورًا متناميًا في النظام المالي العالمي‌ كواحدة من أهم ثمار إصلاح نظام الحوكمة الاقتصادية العالمية، يُمثل البنك الجديد للتنمية (NDB) منذ تأسيسه عام 2015 قوة محورية في إعادة تشكيل النظام المالي الدولي. ومقره الرئيس في شنغهاي بالصين - القلب النابض للمالية العالمية - يجسد البنك ليس فقط طموحات الاقتصادات الناشئة الصاعدة جماعيًّا، بل أيضًا التحول التاريخي لمراكز القوة المالية من الغرب إلى الشرق.
وفي المجال الصحّي، تجاوزت شركة أسبن فارماكير الجنوب أفريقية - المدعومة من بريكس - نظام البراءات التقليدي لتزويد إفريقيا بـ60 % من احتياجاتها من اللقاحات. 
كما تبلّور النموذج التنموي الجديد عبر ممر جاكرتا-باندونغ-دوربان اللوجستي، بينما يحمي نظام الاعتماد المتبادل للمهارات (47 مهنة) وحسابات الضمان للإيرادات السيادية الدول النامية من أزمات الديون.
سياسيًّا، تفوّقت آليات الوساطة ثلاثية الأبعاد بنسبة 73 % على النماذج الغربية في حل النزاعات الإفريقية. تكنولوجيًّا، وضعت مبادئ ريو للذكاء الاصطناعي إطارًا أخلاقيًّا يركز على المساءلة الخوارزمية بدلاً من الربحية. كما تجسّد الاستثمار في رأس المال البشري عبر جامعة شبكة بريكس (480 ألف طالب في 127 حرمًا) ونظام “البطاقة البرتقالية” لتنقّل العمالة.
مع اقتراب انعقاد الجمعية البرلمانية الأولى في 2026، تواجه بريكس تحديات الحفاظ على التماسك مع تعدّد الأعضاء، لكن قمة ريو أثبتت تحوّلها من منصة احتجاجية إلى فاعل جيوسياسي صانع للنظام متعدد الأقطاب. كما أعلن الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو: “لسنا بصدد استبدال هيمنة بأخرى، بل إنهاء فكرة الهيمنة ذاتها”. يبقى السؤال: هل ستتمكّن بريكس من ترجمة هذه الرؤية إلى نظام دولي بديل؟ لكن المؤكّد أن العالم يشهد ولادة نظام جديد مختلف جذريًّا عن كلّ ما عرفه منذ معاهدة ويستفاليا 1648.

 

أستاذ بمعهد الدراسات شرق الأوسطية في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية