ندوب الطفولة لا تزول ولا تمحى، والأطفال مرآة أهلهم، وحياتهم المستقبلية غير منفكّة عما مرّوا به من تجارب وخبرات في طفولتهم، وفي كل عائلة مجتمع أطفال مُصغّر من الأحفاد من أبناء الإخوة والأخوات، يكون التعامل معهم عادة على أساس العدالة والإنصاف والمساواة، وإن لم نفعل فقد نزرع، ولو دونَ قصدٍ، ضغينة وحقدا وألما سيحصد ثمرته الطفل والمجتمع.
وتنتشر في مجتمعنا عدة أحكام مسبقة وصورًا نمطية وبعض الممارسات المتوارثة تصنّف الأحفاد وتميّز بينهم؛ فهذا الأغلى والأعز والأقرب، وذاك دون ذلك! وغالبًا ما تحول الثقافة والتحضّر والتعلّم والتفقّه الديني دون هذا التمييز وتلك الممارسات. ولكن، وبالرغم من كل ذلك، نجد من يستهين بسيكولوجية الطفل فيعرّضه لمواقف يشعر معها بالتمييز والظلم والتفرقة، ويعجز عن التعبير عن ذلك لضعف حجّته في قرارة نفسه أو لِـ “قِصَرِ” صوته بين الكبار أو لاحترامه لهم وحيائه من الدفاع عن نفسه بينهم. وقد تستمرّ هذه الممارسات العائلية الخاطئة مع تقدّم الطفل في العمر؛ فيرصد الفروقات في المعاملة وينتبه إلى التمييز بوضوح، فيتعمّق فيه الجرح النفسي، وتتصدّع العلاقات بين مجتمع الأطفال العائلي، وينعكس كل ذلك على شخصية الطفل بشكل سلبي، وغالبًا ما يكبر فيه ذلك الجرح، بل ويتحوّل أحيانًا إلى عقد نفسية.
وتتضاعف الخطورة حين يعيد ذلك الطفل إنتاج تلك الممارسات وهو كبير؛ إذْ يتأثّر بما رسخ في الذاكرة من مشاهد اللاعدالة والتمييز، معتقدا أنّ هذا الحفيد أو ذاك هو الأعزّ والأحب، وبهذا يكون في حلقة مغلقة حيث يعيد تكرار ما اكتسبه من “أحكام” بشكلٍ لا واعٍ في دائرته العائلية المصغّرة، أو دائرته المجتمعية الأكبر إلا من بلغ من الحكمة قدْرًا يمكنه من التشافي من ندوب الطفولة وكسر حلقة الماضي.
بذرة العدالة تُزرَع في سن مبكرة جدًا على المستوى العائلي وتقتضي تحقيق الإنصاف وعدم الانحياز والمساواة في المعاملة.
وليس من ضابط لتحقيق العدالة في هذا السياق سوى تحكيم الضمير الإنساني لأنّنا في منطقة “ما دون القانون”؛ إذْ لا يوجد قانون يُلزم الجدّ والجدة أو العم والعمة أو الخال والخالة بالمعاملة العادلة، أو يخالفهم في حالة الإخلال بها إلا تلك الضوابط والقيم النابعة من الشخص ذاته.
إنّ العدالة اسم مشتق من اسم الله العادل، والعدل صفة من صفاته عزّ وجلّ، والأطفال هم أحبابه سبحانه، ولا يرضى لأحبابه سوى العدل والإنصاف في المعاملة.. فلنكن بهم رحماء رفقاء، ولنحذر الاعتباطية في التعامل معهم؛ لأنّ الكبير قد ينسى، بينما الطفل يكبر ولا ينسى بعكس ما قيل له في صغره )تكبر وتنسى).
كاتبة بحرينية وباحثة قانونية