شابان بحرينيان وبموقف تغلب عليه العفوية بلا شك، أطلقا أخيرا مبادرة لتعزيز التعايش والوحدة الوطنية، وناقشا عبر وسائل التواصل فكرة الدعوة إلى “صلاة جامعة” تجمع البحرينيين بجناحيهم في مسجد واحد، هذه الفكرة نبيلة المقصد - مع كامل الاحترام للمتبنيات الفقهية والعقدية للجميع - لكنها ووجهت للأسف من بعض الموتورين وحُوّلت من مقصدها الوحدوي إلى منطلق للتراشق الطائفي ومثار للخلافات المذهبية!
في مايو الماضي صدر بيان للنيابة العامة بشأن واقعة حيازة سلع غذائية فاسدة منتهية الصلاحية، وتداولها وتسويقها بعد تعديل وتغيير تواريخ صلاحيتها، هذا البيان حُوّل ووظف إلى مادة دسمة للاستقطاب الطائفي على الرغم من أن القضية حينها مازالت قيد التحقيق لدى الجهات العدلية!
هذان المثالان عايشناهما أخيرا، ويعدان مؤشرين على ظاهرة “الاستقطاب” التي تبرز بتفاوت في الكثير من قضايا الرأي العام، وتتضاءل فيها الموضوعية ويخفت المنطق ويسود الانفعال والتعصب، والسؤال كيف نحمي مجتمعنا من الانجرار لتلك المستنقعات!؟
الوحدة لا تكون بالصلاة المشتركة وحسب. واقبل بأن تُعامل معاملة الآخر الذي يختلف معك في الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس.. الوحدة بالمساهمة الفاعلة في تعميق الولاء الوطني الجامع على حساب الانتماءات الفرعية، ولن تحتاج لسؤال أحد عن كيفية صلاته أو تعبّده، من يريد أن يدعو للوحدة فليعمل لتعزيز مبدأ دولة المؤسسات والقانون التي يُشارك في سلطتها التشريعية، ويحترم إنفاذ القانون عبر السلطة التنفيذية ويكون صوتًا فاعلًا في مؤسسات المجتمع المدني.
هذه ليست دعوة للمثالية والحديث الرومانسي عن الوحدة الوطنية، فأجدادنا كانوا يقيمون صلواتهم في مسجد “مؤمن” وتعزيتهم الحسينية في مأتم “أبوعقلين” على بُعد أمتار معدودة من كنيسة القلب المقدّس بالمنامة، هذه هي البحرين التي احتضنت وحفظت الجميع بمحبة صادقة ويجب أن نحفظها على رغم كل التحدّيات للأجيال القادمة بصورة تليق بهذا التاريخ المشرّف.
* كاتب بحريني