العدد 6085
الخميس 12 يونيو 2025
جلالة الملك الحكيم والحِكمة والحُكم
الخميس 12 يونيو 2025

عندما انطلق قطار المشروع الإصلاحي لجلالة الملك منذ توليه الحكم في 1999 حتى الاستفتاء الشعبي على ميثاق العمل الوطني في 14 فبراير 2001، والذي أظهر موافقة غالبية البحرينيين عليه بنسبة 98.4 %، والماكنات الإعلامية في طهران تطحن الحقيقة في مطاحن الشك، ووضع العصي في العجلات، واستقطاب كل الذين يقفزون خارج سفينة الوطن بحثا عن الكافيار الإيراني.
في ذلك الوقت، كنت بإيران عندما بدأ الاستفتاء على الميثاق. كنت في مدينة قم أحمل على كتفي جغرافيا غربة امتدت لعشر سنوات متشظيا على حقل ألغام سياسية وفقهية واجتماعية. كنت ألتهم كتبا ثقافية غربية ناقدة.
كنت ألمح هناك غبار اليأس والمكابرة على أوجه البحرينيين، حيث كان الاذلال الإيراني يطرق أبوابنا بصور شتى، تارة بالتنمر علينا كعرب، وتارة بتهديدنا بعدم تجديد إقامتنا.
كنت أسير في الطرقات، وأرى التمثال الذي طالما أقنعونا بأنه الدولة “الممهدة للخلاص” يتشقق أمامي.
ومن بين التشققات خرج وجهي، وجه منهك من الحلم، ومن الغربة، ومن تراكم الخيبات التي صارت مشانق لمن يمتلك مجرد سؤال نقدي لولاية الفقيه أو ينتقد ولو قرارا إداريا لأصغر موظف في خيمة ولاية الفقيه. واكتشفت بالعام 1996 كيف تتسلل الشعارات الثورية خيفة في الظلام؛ لتتحول إلى مشانق وسجون ومقابر لأي إنسان يمتلك نقدا ولو حريريا للثورة أو رجالاتها.
انبرى علينا بعض رجال الدين يجمعون حجارة التشكيك ضد المشروع الإصلاحي في البحرين، بل وراحوا يتصيدون وينتقدون من سيذهب للسفارة البحرينية في طهران ليصوت للميثاق.
كنت فرحا وأنا أشاهد التلفاز من بعيد، يسكنني وجع الغربة وحلم الرجوع مرددا شعر نزار قباني: تعبتْ من السفر الطويل حقائبي.. وتعبت من خيلي ومن غزواتي.
أمي هي الأخرى تعبت من الانتظار وجاءتني مرة في الغربة، وكان لسان حالها أبيات قصيدة مظفر النواب: “يا بني ضلعك من رجيته لضلعي جبَّرته وبنيته يا ابني خذني لعرض صدرك واحسب الشيب اللي من عمرك جنيته.. يا بني طَشْ العمى بعيني وجيتك بعين القلب أدبي على الدرب ألمشيته”.. حزمت أمتعتي، وذهبت لطهران لأصوت ع الميثاق.
هاتفني رجل دين فجرا قال لي: هل ستذهب للتصويت؟ قلت نعم قال لي ولكن بعض رجال الدين الكبار يرفضون التصويت. قلت له هذا رأيهم وأنا لي رأيي ولست تابعا لأحد.
لم يكن مجرد قرار بالمشاركة، بل كان إعلان استقلال وجداني عن وصاية الرموز.
كنتُ في قلب قم، محاطا بأستار حديدية لأفكار ستاتيكية في معسكر الايديولوجية الثورية في مصانع التصدير، لكني شعرت لأول مرة أني أقف على قدمَيّ لا على ظلّ أحد، وأطل من بعيد نحو البحر والنوارس وتراب أوال. 
ذاك الوقت، بقيت قناة العالم والمنار وبقية القنوات المشككة تشكك في أي إضاءة حضارية في البحرين. لا أحد هناك في القنوات كان يأمل بأي إنجاز وطني في البحرين.
على طول خط المشروع الإصلاحي، والقنوات ذات الرقص الفارسي تشكك بأي خطوة، وكانت أشبه ببارجة إعلامية تلقي صواريخها ضد المشروع، لأنه يهمها كثيرا أن تبقى الساحة البحرينية مشتعلة بلا توافق، وكلما أصبحت هناك بادرة انفراج ملف من الملفات تدق الطبول ضدها، وتعزف ذات الأسطوانات، وتبدأ قنوات من كل مكان عراقية وإيرانية ولبنانية تشوه صورة المشروع الإصلاحي والحكم.
كانت هذه المنابر تنفخ في النار كلما لاح في الأفق غصن زيتون.
وكانت يعزفون أغنية واحدة، لا تتبدل نغمتها: “لا تصدّقوا، فكل إصلاح هو محض ضغوط!”.. سنين مضت، وتصرمت أعوام وجلالة الملك مازال منشغلا بعبقرية المشروع، وعينه تستشرف المصلحة البحرينية بمعية سمو ولي العهد رئيس الوزراء في انشغال لبناء بحرين أجمل بإرادة قيادة حكيمة وشعب واع.
بدأ بالميثاق، أرجع من كانوا في الخارج، فتح نوافذ الحرية، بدأت الديمقراطية تنشر قوتها بالانتخابات البرلمانية والمجالس البلدية.
وألغى قانون ومحكمة أمن الدولة، وأسس النقابات.. وغيرها.
كانت إيران تعمل ليل نهار على تشويه عقل الناس بالإعلام والمحاضرات المكثفة، والبيانات المكثفة التي تدعو للمقاطعة، وتستضيف شخصيات تضرب في أي توافق وطني وتخريب أي علاقة.
كانت الصدمة الأولى عندما خرجت دعوات، للأسف، بمقاطعة البرلمان.
وكانت الدعاية الإيرانية ذاك الوقت لا تردد: لا تصدقوا الإصلاح، فإذا كان هناك إصلاح، فهو بسبب “الضغوط الخارجية” أو بسبب “الغرب أو منظمات حقوقية، وغيرها...
كل خطوة نحو النوركانت تُواجَه بصراخ من الخارج، وحجارة تُرمى من فوق سجادةٍ فارسية، تُسمّى إعلاما، وهي لا تشبه سوى مدفعٍ بلا ضمير.
كانت دار الحكمة في لندن بإدارتها تطبل لولاية الفقيه، والمشروع الإيراني.
ترى كل صرح إصلاح في البحرين رمادا، وترى كل مشنقة تُرفع في إيران تمثال حرية.
فهذا حلال؛ بينما دعم مشروع الملك وخدمة الناس حرام وخطيئة.
خرجت في 2002 أمام الجميع، أمام إيران ولندن وداخل البحرين، وبكل وضوح دون أي لبس وبتصريح من محاضرة ألقيتها في مجلس بالبديع ونشرت التصريح صحيفة “الأيام” قائلا: “مقاطعة البرلمان خطأ استراتيجي..
وأتمنى عليكم ألا تقاطعوا وستكتشفون خطأ ذلك مستقبلا”.. شُحنت الجماهير ضدي كما تُشحَن البنادق في الحروب العبثية.
كنتُ هدفا للشتائم، مادة للتشويه، رمزا يُعلّق على مشجب “الشتيمة”؛ لأنني ببساطة اخترت الإصلاح.
4 سنوات وأنا تحت القصف اللفظي، و4 سنوات بعدها قاموا بما سبّوني عليه! دخلوا الانتخابات في 2006، واكتشفوا صحة موقفي، وشاركوا في البرلمان، وابتسموا للكاميرات، كأن شيئا لم يكن.
منذ 2002 وأي مبادرة تحدث، يخرج الطبالون يرقصون على منصات الإعلام يصرخون بأغنية “ضغوط ضغوط“، وهم يشيرون إلى أنه لا إنجاز في البحرين. في 2002 كانت المنطقة هادئة إقليميا، ولولا إرادة جلالة الملك المعظم وحبه للوطن والشعب لما جاء بكل هذا الإصلاح.
مع كل مكرمة يخرج من هم في الخارج ليرددوا أغنية ضغوط ضغوط.. إذا كانت ضغوط فأين هي الضغوط منذ 2011 إلى الآن؟ لماذا لم تفعل شيئا؟ لماذا؟ بدلا من أن تكونوا عقلاء، وتدعمون أي مبادرة خير لصالح الوطن والناس، تلقون الزجاج في الطريق وتصرخون من أسطح إذاعات الخارج تشككون في كل شيء، وتخربون حتى على أنفسكم؟ يا سادة، لو كانت الضغوط تخلق الديمقراطيات، لكانت كل شعوب الأرض الآن في برلماناتٍ من ياسمين، شككتم بالعقوبات البديلة وقلتم ضغوطا! السجون المفتوحة قلتم لا تصلح وضغوط! أمام كل عفو ملكي تصرخون: “ضغوط”.
أقول، لابد من كسر حاجز الخوف في القرى لتوقيف هذه المهزلة والاستنزاف والمتاجرة بوجع الناس.
أنا أدعو الجميع كتابا ومثقفين وخطباء منبر برفع الصوت معي ومع غيري؛ لصنع واقع ثقافي وطني يشجع الناس على رفض هذا التشكيك من الخارج، ورمي الشباب في المحارق، والتدثر بقميص الضياع والنوم على زجاج الألم.
أقول: إن الشعب بكل أطيافه يده بيد جلالة الملك المعظم وسمو ولي العهد رئيس الوزراء في دعم البحرين والإصلاح وترسيخ الإنجازات وكل ما من شأنه يعزز حضارة البحرين.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية