العدد 6075
الإثنين 02 يونيو 2025
الفعل لا الطائفة.. أزمة “الضحية المزمنة”
الإثنين 02 يونيو 2025

 من الأشياء التي يمكن أن يقاس وعي المجتمعات فيها كيفية تعاطيها مع مختلف القضايا التي تشكّل التفكير الجمعي. فعلى سبيل المثال، عند توجيه اتهام أو إدانة لشخص أو جهة ما، فإن النقاش العام في بعض المجتمعات يدور حول الجريمة ودوافعها وكيفية حماية المجتمع منها عبر الإنفاذ الصارم للقانون. وفي مجتمعات أخرى، يتحول ذات الحدث إلى قضية جدلية تقسّم المجتمع الذي ينظر أولًا لخلفية الشخص المذنب العرقية أو الدينية أو الفكرية، وليس لفعله، وهذا ما يبتعد عن جوهر القضية الأم ويفتح قضايا فرعية ذات إشكاليات أكثر عمقًا. وكلما طُرحت قضية فكرية أو نقدية معينة في هذا الاتجاه، سرعان ما يتحوّل الاهتمام إلى خلفية صاحبها وانتمائه وطائفته بل وحتى مظهره، بدلًا من تناول مضمون الفكرة نفسها، وكأن قيمة الرأي لا تُقاس إلا بهوية قائله لا بالصواب والخطأ والدلالات المعرفية.
مؤخرًا، تحولت قضية - قيد التحقيق - تتعلق بغش تجاري تمس الصحة العامة إلى ساحة جدل طائفي، ورغم عدم توجيه إدانة لأحد حتى الآن، فإن بعض أفراد المجتمع يرى أن القضية برمتها هي “استهداف” لطائفة مالك الشركة، فيما ينظر البعض الآخر للمتهمين على أنهم مدانون ومجرمون حتى دون أن تبدأ إجراءات التقاضي ويمنحون حق الدفاع عن أنفسهم. وفي هذا الإطار، فإن تحويل المسألة من فعل فردي إلى قضية جماعية مذهبية، يعبّر عن حالة عدم وعي لدى المجتمع، ويكشف عن خلل اجتماعي عميق يحتاج إلى علاج.

وهنا تبرز أهمية فهم علم النفس السلوكي في تفسير مثل هذه الظواهر، فالبشر - حسبما أثبت علماء السلوك - يقعون في فخ ما يُعرف بـ “التحيز التأكيدي“ (Confirmation Bias)، وهو الميل إلى تفسير أية معلومة جديدة بطريقة تعزّز المعتقدات السابقة.
وبالتالي، حين يجد الفرد نفسه أو جماعته على أنه “ضحية مزمنة”، فهو تلقائيًّا يفسّر كل إجراء - حتى إن كان قانونيًّا ومُبررًا - كاستهداف مباشر له أو لجماعته.
ويقول عالم النفس الشهير دانيال كانيمان في كتابه “التفكير السريع والبطيء” - الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد - إن الناس غالبًا ما يُصدرون أحكامهم اعتمادًا على الانفعالات والانطباعات الفورية، لا على المعطيات العقلانية.
لذلك، فإن أي شخص يحمل مشاعر عدم الثقة تجاه الدولة ومؤسساتها الرسمية، سيرى تلقائيًّا أن أي إجراء قانوني يمس فردًا من طائفته هو جهد ممنهج لاستهداف الطائفة بأكملها، دون أن يكلف نفسه البحث وراء التفاصيل أو حيثيات القصة. هذه الحالة تُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ  “التضامن المذهبي الدفاعي”، إذ يتحول الانتماء إلى درع ضد كل نقد، حتى لو كان ذلك النقد مُستحقًّا.
علاوة على ذلك، فإن هذا السلوك يعكس فقدانًا متجذرًا للثقة، وهو أشد خطورة من صدور أي حكم قضائي؛ لأن المجتمع الذي يفقد نصفه الثقة في مؤسسات الدولة، بما في ذلك السلطة القضائية، سيصبح قابلًا للاشتعال عند كل مفترق طرق، وسيرى كل مساءلة على أنها مؤامرة، وأية عقوبة على أنها انتقام ضده.
وطبعًا هذا لا يعني أن أجهزة الدولة منزهة عن القصور والأخطاء، لكن نقد المؤسسات الرسمية يجب أن يُبنى على أفعالها لا على انتماء من تصدر بحقهم تلك الأفعال، وحينئذٍ سيكون النقد أكثر فاعلية وأقرب إلى الموضوعية والصواب.
هذا الخلل المجتمعي يتطلب مشروعًا فكريًّا تربويًّا ونفسيًّا وإعلاميًّا متكاملًا يعيد تشكيل الوعي الجمعي ويساهم في إعادة بناء الثقة المفقودة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض المجتمعات نجحت بالفعل بمعالجة مثل هذه الظواهر السلوكية الطائفية والفئوية، عبر استراتيجيات طويلة الأمد.
في رواندا على سبيل المثال، بعد الإبادة الجماعية عام 1994، واجه المجتمع خطر انقسام دائم بين المجموعتين العرقيتين الهوتو والتوتسي، لكن الحكومة بإرادة صلبة أطلقت برامج تعليمية تركز على الهوية الوطنية الجامعة بدلًا من الهويات العرقية، وأُنشئت مؤسسات إعلامية خاضعة لمدونات سلوك صارمة تمنع خطاب الكراهية والتحريض الطائفي.
كما عملت السلطات هناك على ترسيخ ثقافة “العدالة الانتقالية”، حيث عُقدت محاكم محلية مجتمعية تُعطي الأولوية للمصالحة بدلًا من الانتقام، ما ساهم في إعادة بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع بهذه الدولة الأفريقية.
هذه التجربة تُظهر أن معالجة هذا النوع من الانقسام لا يتم عبر سن القوانين وحدها؛ بل من خلال إعادة صياغة الوعي الجمعي وخلق سردية وطنية مشتركة يتساوى فيها الجميع أمام قوة القانون، ويُحاسب فيها الفرد على أفعاله لا انتمائه.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .