العدد 6069
الثلاثاء 27 مايو 2025
ظاهرة المستثقفين!
الثلاثاء 27 مايو 2025

يقاس سمو الشعوب ومدى تقدمها وتحضرها بأن ترى العلماء والأدباء والمثقفين منها، وترى انتشار المكتبات والصالونات الأدبية والصحف التي تتناول فكر العلماء وتحلل قصائد الأدباء أو تناقش إصدارات المثقفين واهتمام الدولة بتكريمهم وتحفيزهم من خلال عمل المسابقات الدورية والمعارض الثقافية وعلى هامشها ركن لحفلات توقيع ومناقشة كتاب وسط حضور جماهيري وصحافي يغطي هذه المناسبة.
كانت المجتمعات الأدبية تعتمد على اللقاءات وتبادل التجارب الأدبية، ونذكر كيف عززت الرسائل المتبادلة بين مي زيادة وجبران خليل جبران تجاربهما الفردية في الكتابة، وكيف صقلت الصالونات الأدبية والثقافية المحلية الكتاب والشعراء ونهضت بالمسرح ومختلف الفنون، ومازالت هناك المراكز الثقافية مثل مركز الشيخ إبراهيم الذي يجتمع فيه أهل الفكر لتبادل تجاربهم ومناقشتها، ولا شك أن الإلهام والإبداع الكتابي بمختلف توجهاته يعتمد اعتمادا كليا على التجارب المباشرة أو المستقاة من البيئة المحيطة ومنها التجمعات الأدبية.
الكتابة ليست قصراً على أحد، فمن حق أي فرد كتابة أفكاره أو تجاربه ونشرها إذا ما سمحت له الفرصة، وهنا أعرج على بعض الكتاب الذين ظهروا في بداية الألفية الجديدة، لقد قرأنا إبداعاً مثيراً ولم تأت تلك الموهبة إلا من شغف القراءة وتتبع من سبقهم في هذا المجال، فالكاتب يتأثر بمحيطه أو بمن يتابع من أدباء، بعضهم ينتهج نفس النهج وبعضهم يشق طريقه الخاص في الكتابة، فيكون ظاهرة جديدة. 
ظهور المستثقفين، أو الدخلاء على الثقافة، ممن يستقي الفكر من تتبع مشاهير التواصل الاجتماعي أو العلامات التجارية في مراكز التسوق، فتارة ترى كتابا اسمه.. كبتشينو، وتارة ترى كتابا اسمه.. تامر على شي!، أو كتابا عبارة عن ألبوم صور، حيث يخرج المؤلف بصور في وضعيات مختلفة وجملة في الصفحة المقابلة، فلا تخرج من قراءته إلا بخفي حنين، والغريب أن بعضهم يحقق نجاحا مؤقتا بفضل إعلانات مدفوعة في برامج التواصل الاجتماعي، ومن الملفت أن ترى في بعض الطبعات أرقاما غريبة كرقم الطبعة 37، متى وكم نسخة طبعت في كل مرة! أمور غريبة وغير مسبوقة للترويج لكتب بمثل هذا المستوى.
البرمجة العصبية والتنمية البشرية وتطوير الذات، مواضيع أخرجت لنا الكثير من المستثقفين، إنتاجات غزيرة “قص ولصق”، الترويج لها يبدأ بنص: “10 خطوات تجعلك أفضل شخص في الغرفة”! أو “كيف تتحكم بالآخرين”! صنعت المجد المؤقت والثقة الكبيرة للمؤلفين، غير أن الكثير منا نسي تلك الكتب بسبب عدم إحداث التغيير الحقيقي للقارئ، وأصبحت تشغل حيزاً مغبراً في المكتبات.
نشر المعرفة والأدب واجب وطني للنهوض بالشعوب، ونحن أمام مسؤولية كبيرة، وهي أمانة يجب الحفاظ عليها والإخلاص فيها، فلنحرص على توجيه الأجيال القادمة إلى الواحات المعرفية والأدبية الحقيقية التي تثري مخيلاتهم ومعرفتهم، وتطهر المكتبات من بعض المستثقفين كُتاب الهرج حتى تعود مكتباتنا زاخرة كما كانت.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .