تلعب الشركات العائلية دورا كبيرا في الاقتصاد المحلي والعالمي، وهي تمارس جميع الأنشطة التجارية وتقدم كافة الخدمات التي يحتاجها الزبائن في كل ركن. تاريخيًا، قام الأجداد والآباء بتأسيس الشركات العائلية في ظروف صعبة وكافحوا حتى صمدت هذه الشركات وازدهرت وجنت ثمارها، واستفاد منها أصحاب الشركات ومجتمعاتهم. وما زالت هذه الشركات تعطي بسخاء وتتطلع إلى المستقبل الأفضل.
ومع ذلك، نجد أن هناك العديد من هذه الشركات تتعثر ولا تواصل المسيرة بعد فترة، خاصة من الجيل الثاني أو الثالث في العائلة، وذلك لعدة أسباب منها عدم توفر الإدارة المؤسسية السليمة، وعدم وجود قدوة ناجحة، إضافة إلى عدم وجود خطط واضحة للتوارث.
ونتيجة لهذا الوضع المتأرجح بين النجاح والسقوط، يرى البعض ضرورة دعم استمرار الشركات العائلية وإتاحة الفرص لها للإبداع وخلق فرص عمل لأعداد كبيرة من الشباب. وفي المقابل، يرى البعض الآخر أنه من الأنسب عدم استمرار الشركات العائلية ويدعو إلى تحويل هذه الشركات إلى شركات مساهمة عامة، سواء كانت مقفلة أو مفتوحة، لجعلها متاحة للجمهور عبر البورصات.
لقد أتيحت لي الفرصة للاطلاع على دراسات حول الشركات العائلية، وما لها وما عليها. كما شاركت في مؤتمرات عن الشركات العائلية، حيث تطرق المتحدثون في مجملها إلى مشاكل الشركات العائلية، واقترح البعض مساعدتها للتحول إلى شركات مساهمة عامة اعتقادًا منهم أن هذا هو الوضع الأفضل.
فهل تحويل الشركات العائلية إلى شركات مساهمة هو العلاج الأنسب؟ في إجابتي أقول: نحن نحتاج إلى الشركات العائلية بقدر حاجتنا إلى شركات المساهمة. وتتميز الشركات العائلية بأنها توفر العديد من المتطلبات والخدمات التي لا تستطيع شركات المساهمة تقديمها. مع العلم أن شركات المساهمة تقوم بدور رئيسي في دعم أسواق المال، حيث إنها تحفز الأموال النائمة، خاصة عندما تنجح هذه الشركات وتحقق الأرباح، مما يفتح الشهية لشراء أسهمها كفرص جيدة ومغرية للاستثمار المضمون.
إن بعض الشركات العائلية، في الواقع، مستمرة من نجاح إلى آخر، وسر بقائها يكمن في أن هذه الشركات قامت على مبادئ الشفافية الكاملة، والإفصاح التام، والحوكمة، إضافة إلى الولاء العائلي للشركة. فالشفافية، والإفصاح، والإدارة الرشيدة (الحوكمة) هي صمام الأمان لاستمرار الشركات العائلية، بينما يؤدي غيابها إلى موت الشركة ونهايتها بسبب التخبط وعدم وجود الرؤية المتكاملة.
هناك مهام ودور لأعضاء الأسرة في تنفيذ السياسات والبرامج المطلوبة لاستمرار الشركات العائلية، ومنها كيفية نقل السلطات وتوارثها (التوارث الإداري) من جيل إلى آخر، حتى يشعر كل فرد بأنه جزء مهم من الشركة، بل هو أحد أسباب نجاحها. ذلك مع انتهاج الشفافية وتنفيذ مبادئ الحوكمة السليمة لإدارة الشركة، إضافة إلى تحديد العلاقة بين الإدارة وأفراد العائلة وكيفية انتقال هذه الأدوار بنجاح إلى الأجيال المتعاقبة.
وبموجب مبادئ حوكمة الشركات، هناك أهمية خاصة لفصل المسائل المالية التي تخص الشركة عن الأشخاص المالكين. ومن التجارب العالمية، اتضح ضرورة عدم انكفاء أصحاب الشركة على أنفسهم، بل النظر إلى الخارج للاستعانة بالكفاءات من خارج العائلة، بهدف الاستفادة منهم في الإدارة التنفيذية للشركة ومنحهم الاستقلال الكامل في تنفيذ أدوارهم ضمن التوجهات العامة لسياسة العائلة وتراثها الخاص.
وتنادي مبادئ حوكمة الشركات بضرورة قيام الشركات العائلية بإعداد ميثاق أو “دستور الشركة العائلية”، حيث تتفق العائلة على كل التفاصيل الخاصة بإدارة الشركة، وخططها المستقبلية، والعلاقة العملية بين أفراد العائلة والشركة. ومن يعمل ماذا؟ ولماذا؟ وكيف؟ من خلال هذا الدستور، يشعر كل فرد بأنه له دورًا خاصًا ومكملًا لبقية الأدوار المطلوبة لنجاح وبقاء الشركة التي تحمل اسم العائلة، وهذا بالطبع مهم للكثيرين ويحفز الطاقات الكامنة لتحقيق “الذات”. وقد ساهمنا في إعداد دساتير الشركات العائلية للعديد من العائلات في المنطقة، حيث تمت الاستفادة من هذه الهيكلة المؤسسية لتحقيق التطور المنشود.
بعض الشركات العائلية لها نكهة خاصة ومذاق مرتبط بعرق وجهد وتاريخ مؤسسي لا يمكن تقليده، بل هو بمثابة البصمة الوراثية (DNA) التي تركها مؤسسو هذه الشركات. وأعتقد أن استمرار نجاح مثل هذه الشركات مرتبط بهذه النكهة الخاصة الناتجة عن البصمة الوراثية والجهد الذي بذلوه. هذا الوضع موجود في كل مكان، حيث تناضل هذه الشركات العائلية للبقاء والاستمرار كشركات عائلية تفتخر بذاتها وكينونتها وتميزها وخصوصيتها عن بقية الشركات العامة المفتوحة للجمهور.