العدد 5927
الأحد 05 يناير 2025
صناعة تعزيز الهوية المحلية: بين صخب التفاهة وحياء الأصالة
الأحد 05 يناير 2025

يمكن أن تجرف هويتك في مهب رياح الثقافات التي تمتلك القوة والقدرة، حينها إما أن تستسلم أو تصنع حضورك، فأي سبيل تختار؟
إن أردت حضورا فاعلا عليك أن تصنع المراسي الخاصة بك لتثبت كيانك فكرا وثقافة وسلوكا ورسالة.
وقد يسأل أحدهم مستنكرا: وما الضير بأن تذوب ثقافتنا في الثقافة الأقوى؟
حينها ستذوب معها هويتك، شخصيتك، مبادئك، رسالتك، ومعنى وجودك؛ لأنك تماشيت مع الموجة العاتية الغالبة. وأصبحت كما قال ابن خلدون “المغلوب دائما يتشبه بالغالب”.
تغليب موجة المقارنات وتضخيم التفاهة والدفع نحو مركزية الفرد و “الأنا” كلها مسارات لتصنيع وحدات استهلاكية من البشر ليس إلا. فكلما تم تعزيز السطحية في الفهم والتفكير وتغذية التفاهة، كان الإشباع لذلك الإدمان عبر منتجات تشكل “مهدئات” وهمية للفرد والمجتمع.
كيف يمكن صناعة المنتجات الخاصة بالهوية؟
والسبيل لإيقاف هذا السيل الذي ينخر في ثقافات المجتمعات هو تعزيز الهوية المحلية بتوظيف الأدوات الحديثة، لتشكل الهوية محركا متينا لتعزيز الحضور في الحياة اليومية.
وذلك يأتي عبر صناعة صور عملية لتلك الهوية من خلال:
1. المحتوى المحلي النصي والحركي (روايات وأفلام وتصاميم وموسيقى وأناشيد وأغاني وطنية واجتماعية).
2. الألعاب بنوعيها الرقمي والمادي.
3. الملابس والإكسسوارات والأثاث.
4. الفعاليات والمسابقات. 
5. النصب التذكارية والمجسمات الرمزية.
6. المنتجات المصنعة أو المستوردة في اختيار الاسم والتصميم والتسويق. 
7. الفعاليات الثقافية والترفيهية والرياضية وربطها بالهوية. 
8. الإكثار من المشاريع المكانية التي تحتضن الهوية، من متاحف وحاضنات وأماكن فنية وأدبية وعلمية مهتمة بالثقافة المحلية حفظا وتحليلا وابتكارا وترويجا وتصنيعا.
ما عوائد صناعة المنتجات الثقافية؟
عندما تصنع فإنك تتسيد، ويمكن ذكر بعض عوائد ذلك، من بينها:
1. الجانب الثقافي: بتعزيز الفكر المحلي بطابعه الحديث للأجيال الجديدة، وتقديم بديل قوي لهم عما يتم ضخه لهم من منتجات ثقافية تدعم المحاكاة لعالم مواز مختلف عن الواقع، ما يدخلهم في مساحة يتعرضون فيها لانفصام بالشخصية ومقارنات ممرضة.
2. الجانب الاقتصادي: فعندما يتم تقديم البديل الثقافي تكون القوة الشرائية جاذبة؛ وذلك بسبب سعي أفراد المجتمع لاقتناء واستخدام ما يعكس أصالته وهويته في ظل ما يحيط به ويدفعه للانسلاخ عن ثقافته. 
كيف يمكننا القيام بذلك؟
1. فهم عملي لثقافتنا وهويتنا ومعرفة المرونة الكامنة فيها، ليس للعيش في ظل ثقافات تتمتع بقوة الحضور وقدرة الإغواء، وإنما لوجود نقاط قوة للثقافة المحلية للتميز وتحويلها لركن أساسي جاذب للاستثمار المحلي منه والأجنبي من جانب، ومعزز للانتماء الثقافي الوطني من جانب آخر.
2. العمل على أسلوب “الجودو” الذي يهدف لاستخدام قوة الخصم لصالحك، وذلك عبر التعامل مع المتغيرات الثقافية والتقنية الحاصلة في المجتمعات ذات القدرة على التأثير على هوياتنا المحلية، وذلك بتحويل تلك الأدوات الحديثة لصالح ثقافتنا وهويتنا المحلية، فيكون هناك ركوب للموجة، للوصول للساحل الذي نريد.
3. إنشاء مراكز ووحدات مختصة لدراسة السلوك والتحليل المجتمعي واستخلاص المعلومات لتوظيفها في سبيل الصد والرد والرفع، فالصد يكون لكل موجة تريد الإخلال بالنظام الثقافي والهوية المحلية والرد لرفع الإشكالات وتبيان قوة الهوية والرفع يكون عبر تعزيز الثقافة المحلية بما ذكرناه من قبل، من ابتكار ومنتجات ومشاريع.
4. قياس الأثر، وتقديمه كنموذج نجاح، فضلا عن دعم المشاريع ذات العلاقة بالصناعات الثقافية محليا وتسويقها إقليميا وعالميا.
هل يمكن للمجتمعات الاعتماد على نفسها لصناعة تلك المنتجات؟
ويبقى السؤال، هذا لا يمكن القيام به إلا من خلال الحكومات فقط، لكن الجواب هو النفي بحصر الأمر عليها، فقدرة المجتمعات كبيرة.
إن وعينا تم ربطه بأن هذه الأمور تقوم بها الحكومة، وحصر عليها فقط، وهذا غير صحيح، فالذهن رهن الوهم كما يقال.
بل المجتمعات الصغيرة من قرى ومناطق يمكنها صناعة أثرها الثقافي مما تم ذكره من نقاط في هذا المقال. وفي ذلك عوائد نفسية واجتماعية وثقافية ومادية أيضا، فعندما يتم تعزيز الهوية وتتم صناعة منتجات ثقافية وتنتعش سوق تلك المنتجات، فالكل مستفيد، من يفكر ويبتكر ويصنع ومن يشتري، وهكذا نصنع دائرة استهلاك إيجابية قوية محلية وتنفيذا حكيما لاقتصاد دائري ثقافي، وهو ما يعكس بدوره على صورة البلد أيضا. 

وعند الحديث عن تجربة محلية بحرينية، فيمكن ذكر أعمال مؤسسة حكايا التي تضمنت مسلسل “حكايا حسن” و “حكايا عمار” و “حكايا سلمان” وقريبا “حكايا فارس”، فهي دليل بين على نجاح تجربة المنتجات الثقافية، التي يمكن أن تتوسع لتضم أشكالا وصورا عدة لذلك المحتوى المحلي، وقد كان من سلسلة تلك الحكايا منتجات تربوية وألعاب تعليمية ترفيهية هادفة. فاقت مجموع ما تم بيعه من منتجاتها 10,000 منتج.
وعروض مسرحياتها تجاوز حضورها الـ 13,000 متفرجا، ومجموع مشاهدات قناتهم على “يوتيوب” فاق 80 مليون مشاهدة من مختلف البلدان ولديهم ما يزيد على 194 ألف مشترك.
تلك تجربة محلية توسع أثرها لدول عدة خارج البحرين، وهو مؤشر على قدرة المجتمعات لصناعة صورها الثقافية وتعزيز وجودها بالمحتوى وتمثلاته المتنوعة من منتجات رقمية ومادية.
كلما توغلت الثقافة الغريبة عن أصالة المجتمع، سيتولد ظمأ في هذا المجتمع ويتطلع لما يرويه من منتجات وثقافات معززة لهويته، فتلك معادلة رياضية واضحة وبسيطة، لكنها تحتاج للعمل والتخطيط لضمان الاستدامة وحصول الأثر المطلوب.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .