+A
A-

كلمة معالي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية لاجتماع الدورة (45) لمقام المجلس الأعلى

إنّه لمن أسمى دواعي الفخرِ وغايةِ الاعتزازِ، أن أستهلَّ كلمتي برفعِ أصدقِ عباراتِ التهاني وأعطرِ التبريكاتِ بمناسبةِ انعقادِ الدورةِ الخامسةِ والأربعينَ للمجلسِ الأعلى الموقر، ويطيبُ لي أن أرفعَ إلى مقام حضرةَ صاحبِ السموِّ الشيخِ مشعلَ الأحمدِ الجابرِ الصباحِ، حفظه الله ورعاه، أسمى معاني التقديرِ وأجلَّ عباراتِ الامتنانِ، لإستضافتكم الكريمةٍ لهذه الدورةِ المباركةِ، في رحابِ دولةِ الكويتِ الزاهرةِ، وتحتَ رئاستِكم الحكيمةِ التي ترسّخُ مسيرةَ التعاونِ وتغذّي جذورَه.

وفي هذا المقام، يسرني أن أتوجه بخالص مشاعر الشكر والتقدير إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، حفظكم الله ورعاكم، على ما حظيت به رئاسة سموكم الكريمة للدورة الرابعة والأربعين للمجلس الأعلى من حكمة بالغة، ورؤية ثاقبة، وحرصٍ كبير على تعزيز مسيرة العمل الخليجي المشترك.

وإنني لأُعبّرُ عن بالغِ التقديرِ وأعمقِ مشاعرِ العرفانِ للجهودِ الحثيثةِ والمساعي المباركةِ التي تبذلونَها أصحاب الجلالة والسمو، تلك الجهود والمساعي التي تعتبر شاهدٌ ناطقٌ على حرصِكم الدائمِ على ترسيخِ دعائمِ العملِ الخليجيِّ المشتركِ، بما يعزّزُ أواصرَ التلاحمِ، ويقوّي روابطَ التكاتفِ بينَ دولِ المجلسِ، ويعمّقُ وشائجَ الأخوةِ والمحبةِ بينَ شعوبِها، سائلِينَ اللهَ العليَّ القديرَ أن يُسبغَ عليكم وافرَ الصحّةِ والعافيةِ، وأن يُكلّلَ مساعيكم بالتوفيقِ والسدادِ، لمواصلةِ المسيرةِ التنمويةِ الخليجية التي تتلألأُ على أرضِ الكويتِ الحبيبةِ، شاهدةً على عظمةِ القيادةِ وحكمةِ النهجِ.

أصحاب الجلالة والسمو ،

نجتمعُ اليومَ، في هذه الدورةِ المهمة، في ظلِّ أوضاعٍ إقليميةٍ حساسةٍ وأحداثٍ متسارعةٍ، تدعوا إلى تعزيزَ التضامنِ، وتوطيدَ أواصرِ التلاحمِ بينَ دولِنا، والعملَ الجادَّ والمتواصلَ لترسيخِ القواعدِ التي قامتْ عليها منظومتُنا الشامخةُ، تلك القواعدِ التي جعلتْ من مجلسِ التعاونِ مثالًا يُحتذى بهِ في الوحدةِ والتكاملِ.

ولا يمكنُ أن نغفلَ في هذا السياقِ، الأزمةَ المروِّعةَ التي يرزح تحت وطأتها الشعب الفلسطيني، في قطاعِ غزةَ والضفة الغربية، بفعلِ الحربِ التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيليةِ المستمرةِ، والتي امتدتْ آثارُها إلى لبنانَ، مما أدى إلى تصعيدٍ عسكريٍّ خطيرٍ وتفاقمِ التوتراتِ في المنطقةِ، وأمامَ هذه التحدياتِ الخطيرةِ، مجددين مطالبتنا للمجتمع الدولي باتخاذِ إجراءاتٍ حاسمةٍ، والالتزامِ بمسؤولياتِه الإنسانيةِ والقانونيةِ، والعملِ على وقفٍ فوريٍّ وشاملٍ لإطلاقِ النارِ، ورفعِ المعاناةِ عن المدنيينَ الأبرياءِ.

وفي مواجهةِ هذه التحدياتِ، لا بدَّ من الإشادةِ بمواقفِ دولِ مجلسِ التعاونِ الخليجيِّ الراسخةِ والثابتةِ تجاهَ نصرةِ القضيةِ الفلسطينيةِ، تلك المواقفِ التي تجسِّدُ أصالةَ انتمائِنا العربيِّ والإسلاميِّ، وتؤكدُ على التزامِنا الأخلاقيِّ تجاهَ نصرةِ هذا الشعبِ الشقيقِ.

ولا يفوتُني أن أعربَ عن التقديرِ العميقِ لدورِ المملكةِ العربيةِ السعوديةِ في استضافةِ القمتين العربيتين الإسلاميتين غيرِ العاديتين التي أجمعَ فيهما القادةُ العربُ والمسلمونَ على أهميةِ تنفيذِ حلِّ الدولتينِ وإقامةِ الدولةِ الفلسطينيةِ المستقلةِ. كما نشيد بإطلاقُ “التحالفِ الدوليِّ لتنفيذِ حلِّ الدولتينِ”، بهدفِ تحقيقِ السلامِ العادلِ والدائمِ وفقَ قراراتِ الأممِ المتحدةِ ذاتِ الصلةِ ومبادرةِ السلامِ العربيةِ لعامِ 2002.

ولا يمكن إغفال الدورُ الرياديَّ الذي تضطلعُ بهِ دولةُ قطرَ في جهودِ الوساطةِ الإقليميةِ والدوليةِ، حيثُ جسدتْ الدوحةُ نموذجًا فريدًا للإصرارِ والعملِ الدؤوبِ في سبيلِ تحقيقِ السلامِ وحلِّ النزاعاتِ.

كما ننوهُ في هذا المقامِ إلى أهميةِ مبادرةِ مملكةِ البحرينِ التي أقرَّتْها القمةُ العربيةُ العاديةُ في دورتِها الثالثةِ والثلاثينَ في المنامة، والتي تدعو إلى عقدِ مؤتمرٍ دوليٍّ للسلامِ، لدعمِ حقوقِ الشعبِ الفلسطينيِّ في تقريرِ مصيرِه، وإقامةِ دولتِه المستقلةِ على حدودِ عامِ 1967، وعاصمتِها القدسِ الشرقيةِ.

وأود من هذا المنبر أن أشيد بالجهود السياسية والإنسانية المتعددة التي تبذلها كل من دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان ودولة الكويت لنصرة الشعب الفلسطيني على كافة المستويات السياسية منها والإنسانية.

أصحاب الجلالة والسمو،

لقد أضحت منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بفضل السياسات الرشيدة والتوجهات المتزنة التي تتبناها دولنا، منارةً متألقة ومقصداً إقليمياً ودولياً مرموقاً للشراكات الاستراتيجية. ويسرني أن أسرد إليكم أصحاب الجلالة والسمو ، بشكل مقتضب، أهم الإنجازات التي تحققت في هذا السياق:

النجاح الباهر الذي شهدته القمة الخليجية الأوروبية التاريخية الأولى، التي انعقدت في أكتوبر 2024، في بروكسل، لترسيخ التعاون مع أوروبا على كافة المستويات.

واصلت دول المجلس تعزيز شراكاتها الاستراتيجية مع الدول الشقيقة والصديقة، حيث عقدت العشرات من الإجتماعات الوزارية المشتركة في عام 2024، مع الأشقاء والأصدقاء في العالم أجمع.

في مجال اتفاقيات التجارة الحرة تم تحقيق عدة إنجازات منها التوقّيع في عام 2023، بالأحرف الأولى على اتفاقية تجارة حرة مع باكستان وكوريا الجنوبية، وفي عام 2024، تم التوقيع على بيان مشترك بشأن الانتهاء من مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع نيوزيلندا، كما انطلقت الجولة الأولى من المفاوضات مع تركيا وتوقيع بيان مشترك مع اندونيسيا.

 تواصل الأمانة العامة الإعداد لعقد قمم استراتيجية مع دول الآسيان ودول آسيا الوسطى، كما تعززت علاقات مجلس التعاون عبر 17 خطة عمل و29 شراكة دولية، إلى جانب توقيع 35 مذكرة تفاهم شملت العديد من المجالات.

أصحاب الجلالة والسمو،

عززت دول المجلس تعاونها العسكري في العام 2024، من خلال عقدها عددًا من اجتماعات اللجان الرئيسية والفرعية، وعملت على تنفيذ عدد من التمارين العسكرية المشتركة، ولا يسعني في هذا الصدد إلا ان اعرب عن بالغ تطلعنا لتمرين درع الجزيرة المشترك، والذي سيعقد في دولة الامارات العربية المتحدة خلال عام 2026 ، لاسيما وأن هذا التمرين هو نتاج مسيرة تعاوننا العسكري المشترك.

وفي المجال الأمني تم في عام 2024 اعتماد الاستراتيجية الخليجية الموحدة لمكافحة المخدرات، واستكمال تنفيذ مشروع ربط الانظمة والمخالفات المرورية بنسبة انجاز تصل الى 90% ، اضافة الى البدء بإعداد استراتيجية مكافحة غسل الاموال، والتحديث على الاستراتيجية الامنية واستراتيجية مكافحة التطرف والارهاب.

أما في المجال الإقتصادي والتنموي، فقد تحققت العديد من الإنجازات في الشؤون الاقتصادية والتنموية لعام 2024م التي ستسهم في تعزيز العمل الخليجي المشترك. وأسمحوا لي أن أستعرض بعض من هذه الحقائق والإنجازات:

تم تشكيل عدد 3 لجان جديدة عالية المستوى لجنة للصناديق السيادية ولجنة للاستثمار ولجنة للتحريات المالية.

تم اعتماد 12 وثيقة في شؤون الانسان والبيئة في عدد من المجالات: التعليم والصحة والمرأة وذوي الإعاقة والتأمينات الاجتماعية والبلديات والإسكان والشباب والرياضة وغيرها.

تم اعتماد 15 وثيقة في الشؤون الاقتصادية في عدد من المجالات : التجارة والصناعة والمال والنقد والسوق الخليجية المشتركة والحكومة الالكترونية والأمن السيبراني والطيران المدني والنقل و الزراعة، والثروة الحيوانية والسمكية وغيرها.

وفي مشروع الربط الكهربائي الخليجي فقد تم تقديم الدعم في 135 حالة طارئة بشبكات الدول الاعضاء من بداية عام 2024 حتى نهاية نوفمبر 2024. وبلغ الوفر الفعلي الذي تحقق للدول الأعضاء من عمليات شبكة الربط الكهربائي لعام 2023م حوالي (257.81) مليون دولار أمريكي.

أما في مجال التعاون العدلي والقانوني بين دول المجلس، فقد اثمر عن تحقيق العديد من المنجزات، من أبرزها اعتماد (23) نظاما استرشاديا.

وفي الختام، وبعد ان اوجزت الى مقامكم السامي أبرز الانجازات التي تم تحقيقها في مسيرتنا الخليجية المباركة وسيقرها مجلسكم الموقر في اجتماعنا هذا، فإننا جميعاً نجدد العهد لكم أصحاب الجلالة والسمو، بأن نكون  مؤتمنين على هذه المسؤولية الجليلة، حاملين شرف هذه الأمانة العظيمة، ملتزمين بأداء واجباتها بكل تفانٍ وإخلاص، مهتدين بتوجيهاتكم الرشيدة، مجتهدين في مواصلة العمل الدؤوب والسعي المتواصل لتحقيق الأهداف السامية، سائلين المولى عزَّ وجل أن يوفقنا ويعيننا على مواصلة أداء هذه الأمانة، وأن يتمم فضله بتوفيقنا في إكمال المسيرة الزاهرة لمجلس التعاون، وتحقيق تطلعاتكم النبيلة وآمالكم الكبيرة.