المروجون يستخدمون التكنولوجيا لعمليات تسويق “الشبو”
تحقيق "البلاد": “البـريـد الميت”.. أخطر آليـات توزيـع وبيـع المخدرات
- آلية البريد الميت بدأت منذ نحو 12 عاما
- تقديم أكثر من 410 محاضرات توعوية بمخاطر المخدرات
- إدمان المواد المخدرة الحالية أسرع بكثير من الموجودة في السابق
- المتعاطون لفترات طويلة أكثر عرضة للأمراض النفسية
- أبرز علامات التعاطي اختفاء الأشياء الثمينة من المنزل دون اكتشاف الفاعل
- القانون البحريني جرم تعاطي المخدرات بأشد العقوبات
على غير عادته بدا أحد الشباب شاحب الوجه، ضعيف البنية، متقلب المزاج، رغم أنه في بداية العشرين من عمره.
محدثنا الذي فضل عدم ذكر اسمه ووصفناه باسم اعتباري بـ (001) دخل عالم الإدمان متأثرًا بأصدقاء السوء، مستدركًا أن الظروف والملابسات التي يعيشها كانت الدافع الأقوى له لدخول هذا العالم.
وعلى الرغم من دخوله عالم التعاطي ووقوعه أسيرًا لعدد من أنواع المخدرات، إلا أنه أدرك أن ما يقوم به خطأ، لذلك قاوم حتى أقلع عن التعاطي، وعندما انتكس مرة أخرى، شحذ همته حتى تمكن من الخروج من هذا العالم، وأفاد في رده على أبرز سؤال: من أين تحصل على المخدرات، بالقول: من البريد الميت!
أبي جنى عليّ
لم يكن محدثنا الأول (001) هو ضحية المخدرات الوحيد الذي التقيناه، يقول محدثنا الآخر (002): “أدمنت المخدرات لأنني كنت مقتنعا أن هذه العادة هي الطريق الوحيد للهروب من المشكلات الاجتماعية التي كنت أعانيها”.
وتابع “اعتقدت أن عالم الإدمان هو عالم الخلاص من الهموم، لأنني كنت أرى والدي كيف يتعاطى هذا السم، ولهذا السبب بدأت بتعاطي المخدرات بصورة خفيفة لم تؤثر علي بشكل كبير وملحوظ”.
وأضاف “وعندما كشف أبي حقيقة إدماني، عالجني باللوم والتوبيخ، لكنه بعد فترة أوصل لي مؤشرات إيجابية عن تعاطي المخدرات ووصلت علاقتي به أن نقوم مع بعضنا بعضًا بالتعاطي وتوفير المخدرات”.
وعن الطريقة التي كان يحصل بواسطتها على المواد المخدرة أجاب: “من آسيويين يتبعون آلية البريد الميت!”.

السلوك الإجرامي
قصة المتعافي (003) لا تختلف كثيرا عن سابقيه، إذ إنه كان صاحب مشكلات في صغره وفق قوله لـ “البلاد”.
وبدا سلوكه الإجرامي يتطور، إذ كان يكثر من الهروب من المدرسة والسرقة، وكان مدركا أن جميع ما يقوم به من سلوكيات خاطئة لا يتماشى مع تربية أهله وعائلته له.
واعترف في حديثه بأنه كان يرى في صغره مدمني المخدرات كأبطال، وأنهم أصحاب شخصيات محترمة وقوية، مشيرا إلى أن هذه الفكرة هي التي قادته للدخول في عالم التعاطي والإدمان، مستدركًا أنه بعد دخوله عالم المخدرات خسر كثيرًا على المستوى الاجتماعي والإنساني والمالي أيضا، ولذلك قرر الخروج من عالم الإدمان وفعلا استطاع ذلك، لكن الغريب أن هذا المتعافي أيضا أكد أنه كان يحصل على المواد المخدرة عن طريق آلية البريد الميت.
ما هو البريد الميت؟
كل من التقيناهم أعلاه في “مركز نصف الطريق للتأهيل”، اتفقوا على أن الآلية التي حصلوا عليها على المخدرات كانت “البريد الميت”.
والسؤال الأبرز الذي طرأ على تفكيرنا هو عن ماهية البريد الميت وكيفية إجراءات هذه الآلية ولماذا يفضلها المدمنون.
المدير العام لمركز “نصف الطريق للتأهيل” خالد الحسين أكد لـ “البلاد” أنالبريد الميت هو آلية تعتمد على تسليم واستلام من دون أن يرى أحد الطرفين الآخر، وتعتمد على تقنية التكنولوجيا بالدرجة الأولى، وهي تعكس تطور آليات تسويق وبيع المخدرات.
وأوضح “تصل رسالة خاصة عبر برنامج التواصل الاجتماعي (واتساب) للمعني، وفيها يعرض المروجون أبرز بضائعهم من المواد المخدرة، التي تشمل عادة (الشبو، الحشيش، الكبتاجون، الهروين) وغيرها من مواد مخدرة، ويقوم الزبون بطلب حاجته من هذه البضاعة في محادثة الواتساب، وبعدها يتفق الطرفان على إرسال (لوكيشن) لوضع النقود أو المخدرات للاستلام، وبهذه الآلية تتم عملية البيع من دون أن يرى الطرفان بعضهما بعضًا”.
إدمان سريع
وأضاف الحسيني أن اتباع آلية “البريد الميت” في الحصول على المواد المخدرة والمؤثرات العقلية قد بدأت منذ نحو 10 أو 12 سنة، إذ إنها لم تكن موجودة سابقا ولم تستخدم إلا عندما ظهرت برامج التواصل الاجتماعي التي سهلت ترويجها بشكل غير مباشر، وسهلت على المدمن الحصول على مواده والتعلم أكثر عنها، وهي لا تستثني أحدا وتستهدف المتعلم وغير المتعلم.
وأشار الحسيني إلى أن مفعول المواد المخدرة الموجودة حاليا إدمانها أسرع بكثير عن التي كانت موجودة سابقا، حيث يمكن للفرد أن يدمن عليها منذ استخدامها الأول، على عكس المواد السابقة، والتي كانت تأخذ ما يقارب 6 أشهر ليصبح الفرد مدمنا عليها، بسبب التركيبات والمواد التي دخلت عليها وزادت من قوتها، مضيفا أن هذه المعادلة تختلف من شخص لآخر حيث إن بعض الأشخاص تكون كيمياء جسمهم قابلة لإدمان المادة من أول استخدام، بينما هناك آخرون لا يتقبل جسمهم المادة ولا يدمنون عليها.
كيمياء الدماغ
وفيما يتعلق بلجوء المتعاطين لآلية “البريد الميت” للحصول على المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، قال استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان طارق المعداوي، إن أي آلية جديدة تجذب البشر، حتى لو علموا بأضرارها، لأن هذه هي طبيعة البشر، وإن مريض التعاطي هو أكثر شخص يعلم بالمخاطر، وعلى الرغم من ذلك إلا أنه لا يستطيع التوقف والسيطرة على مشكلاته، لافتا إلى أن “السوشل ميديا” سهلت الحصول والوصول والتعرف على الأشياء الجديدة.
وأضاف المعداوي أن الأشخاص الذين يتعاطون المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية لفترات طويلة يحصل لهم تغيير كيميائي في دماغهم، بحيث تتغير شخصيتهم ويكونون أكثر عرضة للأمراض النفسية، وأن أكثر من 60 % من المتعاطين يصابون بالاكتئاب ويلجأون لحل تلك المشكلة بالعلاج الذاتي “التعاطي”، وفي هذه الحالة يستبدلون مرضا بآخر.
ولفت إلى أن أنواع المواد المخدرة وشدتها ومدة تعاطيها جميعها لها علاقة بالتعافي، لأنه في حال كان المدمن حديث الإدمان سيكون علاجه بسيطا، بينما إذا كان مدمنًا لسنوات فبالتالي سيأخذ فترة طويلة للتخلص من الإدمان.
وأشار إلى أن العلاج من الإدمان يشمل مرحلتين، أولها التخلص من آثار الانسحاب والتي من الممكن أن تكون خطيرة وتودي بحياة المتعاطي ويستلزمها العلاج الطبي، والمرحلة الثانية التأهيل والتي يجب أن يكون فيها المتعاطي في مكان مخصص لهذا النوع من العلاج ليستطيع الخروج منه وهو شخص مختلف عن السابق، وفيها يتم اتباع “الخطوات الـ 12 للتخلص من الإدمان” وهي أكثر العلاجات التأهيلية ويتبع فيها المدمن العديد من البرامج التي تجعله مشغولا بجميع الأوقات.
Home Delivery
وفي ذات السياق، بينت استشارية الطب النفسي معصومة عبدالرحيم في حديثها مع “البلاد” أن آلية “البريد الميت” تم اعتمادها ما بين التجار والمروجين والمستخدمين للمخدرات، وذلك خوفا منهم من أن يتم الإمساك بهم من قبل المسؤولين في وزارة الداخلية والقبض عليهم كأفراد متاجرة بالمخدرات، حيث إنهم يضعون المواد المخدرة في أماكن لا تخطر في بال أحد، مثل حمامات المساجد والمزارع والأماكن الفضاء ويحدث تواصل بين التاجر والمروج والمستخدم لهذه المادة، بحيث يحصل كل شخص على نصيبه من العملية.
وأكدت أن وزارة الداخلية لها دور كبير في مواجهة هذه الظاهرة والقبض على ممارسيها، ومع ذلك مازال المروجون يبتكرون حلولاً جديدة أخرى ومنها (Home Delivery) والتي من خلالها يتم توصيل المواد المخدرة للمنزل بمثل الطلبيات العادية، إلا أنها تحتوي على المواد المخدرة بغض النظر عن نوعها، وهي الأكثر خطورة، مؤكدة ضرورة تكثيف الدوريات الأمنية ووضع الكاميرات الأمنية للمراقبة في كل مكان خصوصا في الشوارع والأماكن الفضاء، لكي يُمنع التجار والمروجون من استغلال أي مساحة للاتجار بالمخدرات، علاوة على تثقيف أولياء الأمور أبناءهم بتلك الأمور.
علامات التعاطي
أوضح منشور أعده مركز نصف الطريق للتأهيل عن أهم وأبرز علامات التعاطي؛ وهي كالتالي: الانسحاب من الحياة الأسرية والانعزال، وزيادة حاجة الفرد للمال واختلاق المبررات والخدع للحصول عليها، واختفاء الأشياء الثمينة من المنزل من دون اكتشاف الفاعل، فقدان الشهية وتغيير العادات الغذائية ونقص الوزن، واضطرابات المزاج وإثارة المشكلات لأتفه الأسباب، احمرار العينين والتعب طوال الوقت.

عقـــوبــات رادعـــة
القانون البحريني جرم تعاطي المخدرات بأشد العقوبات، في حال ثبتت التهمة على الشخص حيث تتمثل أركان جريمة المخدرات في مملكة البحرين على ركنين وهما الركن المادي والمقصود فيه وجود فعل تسليم المخدرات وتناولها أو بيعها وزرعها وحوزها، واستعمالها في أحوال غير الأحوال الطبية التي رخص لها بمقتضى تشريعات البحرين، والركن المعنوي وهو القصد الخاص من التعاطي حيث تتطلب علم وإرادة الفاعل من أنه يتناول هذه المواد بهدف الإدمان، وهو يعرف أن هذا مخالف للقانون وله عقوبة ومع ذلك يكمل فيه، فإذا توافر الركنان السابقان، تنفذ عقوبة تعاطي المخدرات في البحرين على الفاعل وتكون عقوبة حيازة المخدرات بقصد التعاطي في قانون العقوبات البحريني كالتالي:
نصت المادة (23) على أن عقوبة تعاطي المخدرات في البحرين هي الحبس مدة لا تزيد على 10 سنوات أو بغرامة لا تزيد على 10000 دينار
أو بالعقوبتين معا في الحالات الآتية:
- كل من استورد أو صدر مواد أو مستحضرات مخدرة قبل الحصول على الترخيص.
- كل من زرع أو أنتج أو استخرج أو فصل أو صدر مواد مخدرة للاتجار فيها.
- كل من حاز أو اشترى شيئا مخدرا بهدف التعاطي.
- كل من رخص له بحيازة مواد مخدرة، لكنه تصرف فيها بشكل آخر.
المادة (24) يعاقب بالحبس 3 سنوات وغرامة لا تتجاوز 3000 دينار أو بالعقوبتين معا كل من حاز أو أحرز أو اشترى بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي مواد أو مؤثرات مخدرة، دون أن تكون بحكم ما.
المادة (25) يعاقب بالحبس مدة 3 أشهر وغرامة 50 دينارا أو بالعقوبتين معا كل من يحتفظ بمواد مخدرة مرخص في تجارتها ولم يمسك السجلات المشار إليها.
وتضاعف عقوبة تعاطي المخدرات في البحرين الواردة في المواد السابقة في حالة العودة.
جهـــود وزارة الـداخليـــة
تبذل وزارة الداخلية جهودا حثيثة لمكافحة المخدرات، عبر التعاون الحكومي وتشكيل فرق العمل لرفع الوعي المجتمعي لحماية المجتمع من أضرار ومخاطر آفة المخدرات.
وفي جميع الأحوال تشدد الوزارة على أهمية الاستمرارية في مكافحة المخدرات عبر التوعية في المدارس أو المراكز الشبابية والأندية الرياضية والصحافة والفضاء الإلكتروني وعبر العلم والمعرفة. هذا ولم تشهد مملكة البحرين أي زيادة في معدلات استخدام آفة المخدرات خلال الثلاث سنوات الماضية والتي لم تتجاوز 3 %، إذ إن عدد كميات المواد المخدرة المضبوطة خلال الفترة من بداية شهر يناير من العام 2020 وحتى شهر مارس من العام 2023 قد بلغ 2993 كغم من المواد المخدرة، وعدد 244604 حبات من المؤثرات العقلية، وقد بلغت الضبطيات خلال العام 2023 والربع الأول من العام الحالي 2295 قضية مخدرات عبر المنفذ البري والجوي والبحري وفي البحر.
وفي الجانب الآخر قدمت شعبة الإعلام الجنائي بالإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية أكثر من 410 محاضرات توعوية بمخاطر المخدرات واستفاد منها أكثر من 22581 شخصا في سنة 2023.
