العدد 5764
الجمعة 26 يوليو 2024
شكرا نور
الجمعة 26 يوليو 2024

لم أخطّط لذلك، ولم أفكّر به؛ فأنا أصلا حديث عهد بمواقع التواصل الاجتماعي؛ ولاسيما الفيسبوك والتيك توك وغيرها.. لكن شاءت الصدف - ولمدة أسبوعين - أن أجد نفسي بمعزل عن هاتفي الجوال وعن الحاسوب وغيره. وهنا استحضرْتُ تلك الأسئلة التي كنت أراوغها وأتجنَّب الجواب عليها: هل صرت مُدمِنا على وسائل التواصل الاجتماعي؟ هل يمكن الإقلاع عن متابعة الفيسبوك؟ هل من الضروري أن أتفاعل مع كل منشور ولاسيما من الأصدقاء والأقارب؟ أسئلة لطالما أحدثت ضجيجا في تفكيري بقدر ما أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي.

أمّا أن يُتيح لك القدر فرصة أن تجرّب الإقلاع عن متابعة هذه الوسائل، فتلك متعة لا تعادلها متعة؛ فقد وَجَدْتُني بعيدا عنها أعيش اللحظة وأستمتع بالمشهد، وأنا في بلاد الإسبان حيث أقضي عطلتي من برشلونة إلى مُرسية مرورا بفالنسيا وأليكنتي وكارتخينا وغيرها من المدن والسواحل والغابات الساحرة، وَجَدْتُني حرّا طليقا كطيف النسيم لا أبالي بتعليق هذا ومجاملة تلك، وَجَدْتُني أنا فقط مع من حولي من أفراد أسرتي بعيدا عن ضغوطات المناشير الفيسبوكية عن عالم السياسة وأخبار الموت ومشاهد الرعب، فحتّى رصاصة “ترامب” (الطائشة!) التي كادت تقصف أذنه وتعصف بعمره السياسي لم أسمع عنها إلا بعد أيام. في الحقيقة لم ينقصن شيء ذو بال، لربّما بعض أخبار النجاحات أو بعض أخبار الوفيات لمن نعتزّ بصداقتهم الافتراضية والواقعية، فقط، نعم أقول فقط.. أما غير ذلك فلا شيء فاتني مما تقوم عليه الحياة، إنّما غنمت وقتي، كل وقتي في الاستمتاع بإجازتي العائلية. وزال ذلك الوهم الذي لربّما تلبّسني، الوهم بأنني لا أستطيع الاستغناء عن وسائل التواصل الاجتماعي. لا أُنكر أبدا فضلها في التقريب بين الأصدقاء ممن فرّقهم الزمان والمكان، ولا أنكر دورها في بناء نقاشات فكرية راقية بين فئة من الأصدقاء، بل لا أنكر أيضا دورها - إذا أحسنت الغربلة - في تقصّي الأخبار والحقائق.

لكنّ وقتا ثمينا من يومنا وليلنا قد يذهب سُدًى وراء استدراج هذه الوسائل للسمع والبصر والقلب، فماذا لو تذكّرنا قوله تعالى: “إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولًا”. (الإسراء: 36).

نعم لم أخطّطْ لأترك هاتفي حين سافرت، لذا قلت في العنوان (شكرا نور)؛ لأنّ نور - البنت الصغيرة الرقيقة - هي التي أَلْهَتْني عن هاتفي الجوال باللعب معها في السيارة ونحن في طريقنا إلى المطار بعد أن كلّفتني أمّها بالجلوس إلى جانبها في المقعد الخلفيّ والانتباه إليها، بينما تربّعت زوجتي على عرش المقعد الأماميّ، فسقط الهاتف من بين يديّ دون أن أشعر به، وبقي في السيّارة.. وسقط عنّي ذكره، ولم أنتبه إلى غيابه إلا وأنا على باب الطائرة.. فقلنا سلاما، وطرْتُ بكامل حريتي ممّا قد يشغلني عن أيام إجازتي في الجنّة المفقودة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية