+A
A-

الناقد القصاب: الفرق المسرحية الأهلية البحرينية تفتقر إلى الرؤية الفنية والإدارية والتسويقية

  • المسرح المدرسي عندنا بسيط جدا وفي غالبه اجتهادات شخصية
  • أقترح تغيير نظام التحكيم في مهرجان البحرين المسرحي

المسرح فن عظيم وأصيل، عظيم حتى يومنا هذا ولايزال الفن المؤثر على الجماهير بالنفس الحي ونغمة الصوت والحركة المرئية رؤية كاملة. فن اصيل لأنه استطاع أن يصمد منذ القرن الخامس قبل الميلاد وحتى يومنا هذا في وجه الفنون الأخرى.

و ”البلاد” تحتفي بالمسرح احتفاء متعدد الوجوه، وهي في سبيل ذلك تسلط الأضواء الإعلامية على النشاط المسرحي، وعلى أصحاب الذائقة النقدية الصارمة والفكر المتبحر في المسرح، وضيفنا في هذا اللقاء الناقد والباحث الدكتور عباس القصاب الذي تحدث عن المسرح بالوصف والتحليل من خلال منظور يتجه الى تكوين عالم مسرحي مميز يعبر عن مطامح أمة بكاملها.

ما مفهومك عن المسرح؟
المسرح عبارة عن حيوات نعيشها في فترات محددة، ربما تمتد في الذاكرة إلى الأبد تكشف لنا أعماق الحياة، ومفاصل الأمل أو الألم الذي يكتنف الإنسان؛ لأن الإنسان دائما وأبدا يعيش قلقا محفوفا بالأمل، وليس العكس، وهنا يأتي المسرح الحقيقي؛ ليجسد بمشهدياته الفنية وفضاءاته الجمالية هذه المعاناة الإنسانية؛ ليطرح أسئلته في الوجود والحياة ومعانيها وكيفيتها.

فالمسرح ليس مرفقا ترفيهيا يركن إليه المتلقي للراحة والاستجمام، وإن كان ذلك فلا بأس، ولكن أساسا هو للكشف عن مكامن الخوف والقلق، وفتح كوة الأمل والتفتيش عما يطمئن النفس في كومة التراكمات والخبرات الإنسانية المضطربة، ولذلك يجنح الكثير من المسرحيين إلى ما يسمى بالسوداوية، ذاك من يعيش هما حقيقيا، ناهيك عن الفنون المنضوية تحت أجنحته التي تستنهض كل فنان بفنه تمثيلا ورسما ورقصا وغناء وتشكيلا وموسيقى وشعرا وعليك أن تكمل هذه القائمة التي يضمها أبو الفنون.

ماهي الأسباب الجوهرية التي أدت الى تراجع وتدهور المسرح البحريني والخليجي بشكل عام؟

لا يمكن الجزم بتراجع المسرح البحريني من دون دراسات علمية وافية، فلا شك هناك نجاحات وإخفاقات، وهذا طبيعي حتى في مسيرة الحركة المسرحية العالمية الذي ربما يشيخ فيه المسرح، ولكنه لا يموت، ولن يموت، إلا أن هناك أسبابا موضوعية ساهمت حقا فيما سميته تدهورا وتراجعا، وقد نوقشت كثيرا، وممكن أن أوجزها في عدد من النقاط أهمها:

شح الدعم الرسمي والخاص وانكفاء التشجيع للحركة الثقافية بشكل عام والحركة المسرحية بشكل خاص.

افتقار أغلبية الفرق المسرحية الأهلية البحرينية إلى الرؤية المسرحية فنيا وإداريا وتسويقيا.

عدم وجود معاهد وأكاديميات مسرحية متخصصة في مملكتنا الغالية.

عدم وجود مقررات مسرحية في المناهج التعليمية لا في المدارس ولا الجامعة.

تعذر تفرغ المسرحيين للعمل المسرحي.

 استغراق الكثير من الأعمال المسرحية في التجريب المعقد ما ينفر الجمهور من الحضور إلى المسرح.

غياب قنوات ووسائل النقد الفني للأعمال المسرحية.

النقد المسرحي في دول الخليج، هل استطاع أن يترك أثرا في الحركة المسرحية ويعمق ويغني تجاربها؟
ربما تكون دولة الكويت وسلطنة عمان الأنشط نقديا في منطقة الخليج العربي، وذلك لوجود أكاديميات معتمدة بالمسرح فيها، ولذلك نرى نقادا وازنين في متابعة الأعمال المسرحية والكتابة عنها، وهذا من المفترض أن يطور العمل المسرحي، ولكن كما هو معلوم في الأعمال الفنية والأدبية شهوة الإبداع وكسر المألوف يؤدي إلى حركة نقدية موازية ما يؤدي إلى حركة نقدية فاعلة في المشهد المسرحي الخليجي، إلا أننا نفتقد حقيقة المشروع النقدي المسرحي المتكامل الذي أنجز الكثير منه المرحوم الأستاذ الدكتور إبراهيم غلوم.

ما رأيك في بعض الاعمال المسرحية التي يخرج بعد عرضها الجمهور وهو مشتت جدا. بمعنى انه لم يفهم شيئا، وفي هذه الحالة نجد الاتهامات توجه للجمهور حول مستواه وقصور الوعي، وما الى ذلك من اتهامات توحي بان الكاتب والمخرج هما الشخصان الواعيان فقط. أين تقف من هذا؟ وكيف تفهم المسرح الرمزي؟
هذه أم الإشكالات التي يتداولها المهتمون بالمسرح، وتؤدي إلى الاصطدام بين المسرحيين أنفسهم، أو بين المتلقين، إن المسرح التجريبي والرمزي معقد جدا من حيث إمكانية تزاوج النص والإخراج ليلدا تجربة مسرحية تحمل ما تحمل من معان وأفكار ومشهديات فنية، والحديث يستمر عن مدى إدراك المتلقي لتلك التجربة المسرحية العميقة، وهنا يجب التنويه إلى أن مسرح ما بعد الحداثة وبعد بعد الحداثة متولد من حالة غربية مختلفة عنا من حيث الحالة الثقافية والحضارية والجمالية والفلسفية، فأنا أستغرب شخصيا مثلا تركيز بعض مسرحيينا على مسرح العبث، ونحن لم نعش مخاضات ظهور هذا المسرح ومآلاته.

أين تقف الدراسات الاكاديمية تطبيقا على المسرح؟
لابد وحتما ومؤكدا يجب أن يكون المشتغل في المسرح في أي موقع، كان مؤلفا مخرجا ممثلا سينوغرافيا وفنيا إداريا على دراية بالدراسات المسرحية النظرية في حدودها المعقولة على الأقل، ولن نقول المعمقة والمتخصصة جدا، حتى يكون المسرحي على وعي بما يقدم وفق أسس ونظريات مسرحية، وأذكر حينما سأل الراحل الكبير المرحوم أستاذنا الدكتور إبراهيم غلوم بعض منتسبي إحدى الفرق المسرحية الأهلية البحرينية عن عناوين بعض مؤلفاته المسرحية فوجموا غير عارفين، فاستنكر عليهم عملهم في المسرح دون تأسيس نظري.

من ناحية أخرى يحمل هذا السؤال فخا للمسرحيين من حيث استعانتهم بالنظريات والتيارات المسرحية القديمة والحديثة، ومدى استفادتهم منها، فهل مثلا يطبقون منهج ستناسلافسكي أم بريخت وغيرهما، هل هم يستنيرون بالتجارب المسرحية الخليجية والعربية والعالمية، لأن المسرح لا يعني مراجع ومصادر ونظريات فحسب، بل المسرح اقتناص الفكرة وتدويرها وتحكيكها؛ لتظهر بصورة إبداعية مغايرة.

أعترف هنا أن الكتابات النظرية ليست هي كل شيء، كما أن مشاهدة التجارب أيضا ليست كل شيء، فما أجمل المزاوجة بينهما لتختمر التجربة المسرحية وتنضج من خلال الجانبين النظري والتطبيقي تتبعها الممارسة والتجربة المختبرية.

هناك من يناصر اللغة الفصحى في المسرح، وهناك من يناصر العامية، والقضية تشبه ساحة عامة تقود اليها طرقا فرعية ملتوية.. رأيك؟
هذا جدل قديم بين الأدباء والمثقفين والمسرحيين، فهناك ثمة تجاذبات موضوعية بين اللغة العربية الفصحى واللهجة العامية، إذ إن طبيعة اللغة الفصحى تتفوق بأمور كثيرة على اللهجة الدارجة، فمفردات اللغة العربية الفصحى أكثر اتساعا وأكبر عددا من كلمات اللهجة العامية، كما أن للغة الفصحى وخصوصا العربية ميزة الاشتقاقات اللغوية والصرفية التي تتنوع دلالاتها بدلالة اللفظ، وهذا ما لا يتوافر في اللهجة العامية، كما أن اللغة الفصحى لها إيقاع مختلف سماعيا عن اللهجة العامية، فكيف يمكن أن تؤدى مسرحيات شكسبير مثلا بلهجة عامية؟ وللغة الفصحى انتشارها وفهمها بين مختلف الشعوب العربية قراءة واستماعا، بينما تتميز اللهجة العامية بالسهولة والتلقائية، والتصاقها المحكم بالمتلقي إذ إنها لهجته التي يتفوه بها، والقريبة منه، والأكثر حميمية بالنسبة إليه، واللهجة العامية بالنسبة للممثل تكون أسهل وأكثر أريحية في استعمالها، بينما في اللغة العربية الفصحى لا بد وأن يحفظ الكلمة حفظا محكما بحركاتها الإعرابية والصرفية، مما يشغله كثيرا عن الاندماج مع الدور لانشغاله الذهني بسلامة اللفظ، وغير ذلك من الأمور الكثيرة، وهنا يقول إبسن كلمته الشهيرة “كنت أرغب في تصوير كائنات إنسانية، ومن ثم فلم أكن لأجعلهم يتكلمون لغة الآلهة”.

وهنا يمكن اتباع ما يسمى باللهجة البيضاء، أو اللغة الثالثة كما يقولون، بحيث تبتعد عن اللغة الفصيحة الجزلة وضبطها النحوي إلى كلام هو دون الفصحى وأرفع من العامية، كما أني أرى أن موضوع المسرحية هو الذي يحدد نوع اللغة المستعملة، وفي كل الحالات ينبغي أن تكون اللغة الفصحى أو اللهجة العامية مستساغة مفهومة بعيدة عن الإسفاف أو الوحشي من اللفظ والتعقيد، وهذا يحتاج إلى مؤلف حاذق ومخرج متمرس، ولا ننسى في هذا السياق لغة الجسد كتقنية مكملة ومندغمة في الحالة الحوارية لا يمكن أن تنفصل عنها، وربما تقوم مقام اللغة بالتشكيلات الحركية والإيماءات الجسدية.

قضية المسرح والجمهور، وهي قضية على جانب كبير من الالحاح والاهمية، وهي تطرح هذا السؤال الجوهري: ما مبلغ ارتباط الحياة المسرحية بجماهير بلادنا؟
جمهور المسرح البحريني جمهور واع وذو ثقافة عالية، نرى حضوره الجيد في عروض الفرق الأهلية، وكلنا لاحظ امتلاء الصالة الثقافية بالجمهور طيلة مهرجان اتحاد المسرحيين البحرينيين، ولكن هناك جمهور كبير غائب عن حضور عروض الفرق الأهلية، وذلك لوجود مسافة أو فجوة بين توقعاته الافتراضية، وطبيعة العروض المقدمة التي يراها بعيدة عن قضاياه وهمومه ويلفها السوداوية والتشاؤمية والإغراق في الرمزية، وميلهم الطبيعي إلى المسرح الكوميدي.

كانت هناك عروض جماهيرية كثيرة ما زالت في ذاكرة جمهور المسرح البحريني، ولكن اليوم نعيش في عالم التكنولوجيا الرقمية الحديثة، وما فيها من مغريات تقنية أبعدت بصفة عامة الجمهور عن المسرح والسينما بغض النظر عن موضوعاتها، وهذا هو التحدي الأبرز الذي يواجه صناعة الدراما اليوم.

كيف ترى أهمية المسرح المدرسي ودعمه بكل السبل للقيام بدوره المهم؟
المسرح المدرسي عندنا بسيط جدا، وفي غالبه اجتهادات شخصية من الأفاضل المعلمين والمعلمات الذين يحاولون مسرحة المناهج الدراسية في وقفاتهم التعليمية، أو إنجاز عروض مسرحية بسيطة في المناسبات، وهذا أمر حسن، ولكن نتمنى أن تكون هناك مناهج في المسرح يقدمها المعلمون والمعلمات بعد تأهيلهم في دورات تدريبية من قبل مسرحيين أكاديميين ومتمرسين يختارون بعناية، علما بأن الكثير من نجومنا المسرحيين اكتشفوا في المسرح المدرسي.

اذا تتبعنا تاريخ المسرح في دولنا الخليجية، لوجدنا أن الممثل موضع تهجم عنيف وازدراء غريب من المتعصبين.. فالتمثيل يعد خطيئة أخلاقية عندهم..تعليقك؟
حقيقة هناك احترام وتقدير كبيران للممثلين في دولنا الخليجية، وبصفة عامة ترى احتفاء بالممثل أينما ذهب، والكثير من يلتقط الصور التذكارية معهم، وهذا ما شاهدته بأم عيني في البحرين وخارجها إذا أمشي مع أصدقائي الممثلين، أما المتعصبون والمتشددون فهؤلاء لا وزن لهم اليوم في مجتمعاتنا الحديثة، فكيف يودون قتل فن التمثيل المتجذر مع الإنسان منذ حضارته الأولى، فالتمثيل اليوم رسالة فنية ومشروع إنساني وصناعة ضخمة، طبعا لا أتحدث عن الابتذال والخروج عن حد اللياقة والأدب والأخلاق العامة.  

كيف نتناول مادة التراث التي نقدمها على مسرح الطفل؟
مع الأسف هناك محاولات خجولة في تناول الموروث الشعبي في مسرح الطفل، وتتصف بالسطحية المفرطة، كما أن هناك شبه غياب لمسرح الطفل إلا من محاولات بعض الأندية والجمعيات، إلا أن الموروث الشعبي يوظف في المسرح البحريني كمادة تعليمية لا درامية، وهنا نقف على الفرق بين الطرفين، وأعود لأقول يرجع ذلك إلى عدم وجود متخصصين أكاديميين في مسرح الطفل، وما تقدم ما هي إلا اجتهادات شخصية لها ما لها، وعليها ما عليها من ملحوظات فنية مختلفة.

هل لديك اقتراحات لمهرجان البحرين المسرحي المقبل؟
أنتظر بلهفة مهرجان البحرين المسرحي المقبل، وعندي فعلا مقترحات كثيرة أرفعها إلى الإخوة في الاتحاد والفرق المسرحية الأهلية، وأهمها:

  • تغيير نظام التحكيم الذي عمل به سابقا
  • انتقاء العروض المرشحة بدقة لتكون في حجم الحدث، وتمثل سمعة البحرين المسرحية.
  • الترتيب لعروض موازية (غير منافسة) من الفرق المسرحية الأهلية وخارجها؛ لتأخذ دورها في الظهور والإشهار.
  • الزخم الإعلامي الداخلي والخارجي.