تُواصِل قوّات الاحتلال الإسرائيلي غاراتها في غزّة دون هوادة، حتّى أنّ العالم لم يعد يتفاجأ ممّا يمكن أن يحصل للفلسطينيين، بل كأنّ هذا العالم الغربيّ الحرّ الديمقراطيّ جدّا، المتقدّم جدّا جدّا قد اعتاد المشهد؛ فلم يعد يُحرجه أن يرى المدارس تُقصف والمستشفيات تُحرق والمربعات السكنية تَهوي على ساكنيها الأبرياء من أهل غزّة الذين رفضوا مغادرة أراضيهم وبيوتهم المهدّمة. لم يعد يُحرج هذا العالم، المساند بشكل مباشر وغير مباشر للكيان المحتلّ، أن يرى مقرّات الأونروا تقصف، وأشلاء الأطفال والنساء والشيوخ تُنتشل من بين الركام، والصحافيّين يُقتلون على قارعة الطريق دون أدنى اعتبار لطبيعة مهنتهم، والأطبّاء والممرّضين والمسعفين يسقطون شهداء ضحايا وهم يؤدّون مهماتهم النبيلة في إنقاذ أرواح الأبرياء في أعظم مجزرة تاريخيّة.. لقد اعتاد العالم المشهد بعد سبعة أشهر من عمليّات القتل بدم بارد انتهكت كلّ القوانين الدوليّة.
وفي مواصلة مُمنهجة للجرائم والانتهاكات الصارخة لكل الأعراف الإنسانية، استهدفت الغارات العسكرية للكيان المحتل في الثاني من أبريل سبعة أعضاء من منظمة "المطبخ المركزي العالمي" أثناء تنقّلهم في منطقة لا تدور فيها معارك، في موكب يضمّ سيّارتين مدرّعتين تحملان شعارها ومركبة أخرى مغطّاة بقماش قويّ، قصفتهم نيران المحتلّ وهم يقومون بدورهم الإنسانيّ في تقديم وجبات غذائيّة إلى الفلسطينيّين الذين يعانون من سوء التغذية الحادّ والمجاعة في قطاع غزّة منذ بدء الحرب في أكتوبر الماضي. هؤلاء الناشطون، الذين قالوا سلاما سلاما، ووهبوا حياتهم لسكان غزّة المنكوبين ليالي وأيّاما، فقدوا حياتهم إثر غارة صهيونية لا تفرّق بين رسل السلام وكتائب القسّام.. هؤلاء الأعضاء السبعة المنتمون إلى هذه المنظمة غير الربحية قصفتهم قوات الاحتلال، رغم تنسيق تحركاتهم مع جيش الكيان، في أثناء مغادرتهم لمستودع بدير البلح في غزّة، إثر تفريغهم أكثر من مئة طن من المساعدات الغذائية التي وصلت إلى قطاع غزّة المحاصر عبر البحر من قبرص.
أعضاء هذه المنظمة الذين التحقوا بقافلة "الشهداء" هم من جنسيات مختلفة فمنهم ثلاثة بريطانيّين، وكندي يحمل الجنسية الأميركية، وبولندي، وأسترالي، وفلسطيني هو سيف عصام أبو طه وهو مترجم ضمن هذا الفريق المتطوّع. نعم هؤلاء هم أيضا شهداء القضية التي يؤمنون بها، شهداء الإنسانية المنكوبة.
إنّ في قتل أعضاء منظمة المطبخ المركزي العالمي، وفي إصرار الاحتلال على سياسة القتل الممنهج ضد المدنيّين العزّل، وضدّ فرق الإغاثة الدوليّة والمنظمات الإنسانية، وفي مقتل الآلاف بما في ذلك أكثر من 174 من عمال الإغاثة، لَرسالة ترهيب لكلّ العالم ولكلّ الجهود الدوليّة والإنسانيّة التي تسعى إلى تخفيف معاناة الشعب الفلسطيني، وسيستمرّ هذا القتل بدم بارد في قطاع غزّة لأنّ العالم لم يتحرّك بعد بحزم دفاعاً عن القانون والإنسانية.
واليوم، تحرّكت العواصم والمنظمات الدولية والإقليمية لتدين بكل حزم وشدة هذا الاعتداء، وتطلب محاسبة الكيان المحتل، على هذه الجريمة النكراء، فهل ستنظر هذه العواصم حقّا إلى نحو 40 ألف شهيد و80 ألف جريح ومفقود ومدينة مدمّرة بالكامل تقريبا؟ هل سيتحرّك "المطبخ السياسي العالمي" حيث تُطبَخ منذ عقود المؤامرات والمعاهدات على حساب القضية الفلسطينية منذ وعد بلفور إلى اليوم؟ هل ستكون لجريمة "المطبخ المركزي العالمي" ارتدادات على المطبخ السياسي العالمي؟ أم أنها ستُسجَّل ضدّ محتلّ مختلّ؟ أو ربّما عمل فردي معزول؟ أو خطأ عسكري وارد في كل الحروب؟.
كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية