العدد 5638
الجمعة 22 مارس 2024
غزّة الحضارة من التدمير إلى التعمير (1)
الجمعة 22 مارس 2024

منذ أكثر من نصف قرن، تعيش غزة العدوان تلو العدوان، ويحلّ بها الدمار محلّ العمار، وتكاد تتحوّل هذه المدينة التاريخية العريقة اليوم إلى كومة أحجار يتداعى بعضها على بعض بفعل ما تأتيه قوّات الاحتلال من قصف عشوائي وتفجير همجي شمل المباني والمدارس ودور العبادة والمستشفيات... منذ ستة أشهر دون انقطاع.

لكنّ صورة الدمار التي تكتسح غزّة اليوم لا يمكن أن تُنسينا صورة العمار التاريخية التي تمتد لآلاف السنين؛ ففي قطاع غزّة من الآثار العمرانية الخالدة والقطع المعمارية الرائعة ما جعلها قبلة السائحين في العالم، ومن أهم هذه المعالم الأثرية القصور الخمسة المكتشفة في تل العجول جنوب مدينة غزّة والتي تعود إلى 3000 سنة ق.م، وكذلك دير القديس "هيلاريوس" الذي يعود إلى القرن الثالث الميلادي، وهو أقدم دير في فلسطين، إضافة إلى كنيسة الروم الأرثوذكس أو كنيسة القديس برفيريوس، وتقع في حي الزيتون بغزّة، وقد بنيت هذه الكنيسة بين عامي 402 و407م.

وفي صدر الفتوحات الإسلاميّة أصبحت غزّة مركز القطاع الذي يحمل اسمها، ومع الحضارة الإسلامية شيدت العديد من المعالم التي لا تزال تحكي إرادة الإنسان في البناء والتعمير رغم أيادي الغدر والتدمير التي تطال هذه المعالم الإسلاميّة؛ فقد بُنِيَ الجامع العمري الكبير، نسبة إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والمعروف بمئذنته الرشيقة، وهو أكبر المساجد الأثريّة وأهمّها في قطاع غزّة، حيث تبلغ مساحته الإجماليّة 3,500 م2 فيما تبلغ مساحة البناء 1800 م2 ويتسع لأكثر من ثلاثة آلاف مصل، وشُيِّدَ مسجد النصر في بيت حانون سنة 637هـ في العصر الأيّوبي، إثر هزيمة الفرنجة أمام المسلمين فكان مسجد النصر تخليداً لذكرى نصر المسلمين في هذه الموقعة. وغير بعيد، كان مسجد السيد هاشم الذي يقع بحي الدرج "مدينة غزّة القديمة"، وهو من أجمل جوامع غزّة الأثرية وأكبرها، وفيه ضريح السيد هاشم بن عبد مناف، جد رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم)، الذي توفّي في غزّة أثناء رحلته التجارية "رحلة الصيف"، وقد أنُشِئ المسجد على يد المماليك، وسميّت مدينة غزّة "بغزّة هاشم" نسبة إليه.

وفي حي الدرج أنشأ أتباع السيد أحمد البدوي الزاوية الأحمدية في القرن السادس الهجري، وفي القرن الثامن الهجريّ بُنِي جامع الشيخ زكريّا الذي يقع بنفس الحيّ، ويعود جامع كاتب الولاية في حيّ الزيتون، وجامع عليّ بن مروان في حيّ التفاح إلى العصر المملوكيّ. أمّا جامع ابن عثمان في حيّ الشجاعيّة فهو أحد أكبر المساجد الأثريّة ونموذج رائع للعمارة المملوكية بعناصرها المعماريّة والزخرفيّة المميّزة.

معظم دور العبادة والمساجد التاريخية في غزة الحضارة كانت قائمة، وقد مرّت بها أمم وأجيال ولم يمسوها بسوء، بل قالوا سلاما لهذه الأرض المباركة.. واليوم يفتقدها أهل القطاع ولا سيما مع شهر رمضان الكريم؛ فقد دكّها الاحتلال الإسرائيلي دكّا فصارت أثرا بعد عين، بالرغم من أنّ القانون الدولي الإنساني يحرم استهداف دور العبادة خلال فترة النزاعات والحروب، لأنّ في ذلك انتهاكا للقوانين الدولية واتفاقيات جنيف الرابعة.

كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .