مهندس النهضة الحديثة... والبحرين في عهده شعلة أنارت ضفاف الخليج
مرور 90 عامًا على رحيل حكيم عصره الشيخ عيسى بن علي آل خليفة
- خوطب بـ "الملك المعظم" وتمتع بالحكمة ورجاحة العقل
- جنب البحرين الدخول في مواجهات مع قوى مختلفة موجودة بالخليج
- أسس أول محجر صحي في القضيبية بسبب انتشار الأوبئة
- بعهده احتضنت البحرين أول سينما صامتة في 1922 قبل العديد من الدول
يصادف هذا العام 2022م مرور 90 عامًا على وفاة المغفور له بإذنه تعالى الحاكم المستنير وحكيم عصره صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين في الفترة من عام 1869م وحتى وفاته في عام 1932م. وقد شهد عهده البدايات الاولى لبناء الدولة الحديثة من خلال اهتمامه الشديد بإدخال النظم الادارية للحكم وبناء المؤسسات على اختلافها والتي تحتاج إلى الحكمة والدراية واتخاذ القرارات الرشيدة وجميع تلك الصفات تميز بها عظمته.
ولد الشيخ عيسى بن علي آل خليفة سنة 1849م. وقد حرص والده على تعليمه وتربيته فاختار مجموعة من المربين وعلماء اللغة والدين والأدب ليدرس على أيديهم، فنشأ يتذوق الأدب والشعر. وعرف بفصاحته وحبه تقريب العلماء والادباء، فأصبح قصره ملاذًا للشعراء والأدباء والفقهاء.
وصف سجاياه وشجاعته وأخلاقه وصفًا دقيقًا أحد معاصريه وهو المؤلف والمؤرخ البحريني المعروف الشيخ محمد علي التاجر في كتابه (عقد اللآل في تاريخ أوال) الذي فرغ من تأليفه عام 1920م بقوله: ( استلم زمام الملك بيد الحزم والتدبير فدانت له القبائل والعربان، ونشر رايات العدل والأمان، وقمع بسيفه أهل البغي والعدوان، وأظل بحكمه وكرمه ونداه القاصي والدان. وكان معروفًا بالبذل والكرم، موصوفًا بالحلم وطول الأناة، وصولًا لرحمه وقرابته، لا يدخر دونهم شيئًا. وكان متواضعًا رفيق الحاشية سهل الخلق).
وتؤكد الوثائق المتوافرة لدينا ومنها على سبيل المثال كتاب (مضبطة المشروع الأول للتعليم الحديث في البحرين) أن الشيخ عيسى بن علي آل خليفة كانت تتم مخاطبته بالملك المعظم، وقد تم توثيق ذلك في الكثير من مضابط الجلسات الخاصة ببناء مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق. وعلى سبيل المثال لا الحصر جاء في مضبطة الجلسة الاولى عند بدء التبرع لبناء المدرسة التي رأس جلستها الشيخ عبدالله بن عيسى النص الأتي: ( ابتدأ الرئيس بالاكتتاب عن والده الملك المعظم ب 20 ألف روبية). وجاء في الجلسة السادسة: (بعد انتهاء حضرة الشيخ إبراهيم من خطابه ارتفعت الاصوات من الحاضرين بشكر الملك المعظم).
اتخذ والده الشيخ علي بن خليفة بن سلمان بن أحمد الفاتح مدينة المنامة سكنًا له، فعاش في منزل والده بالقرب من المسجد المقابل من منزل الشيخ قاسم المهزع. وعندما تولى الحكم في عام 1869م اختار مدينة المحرق سكنًا له، وعاش الشيخ عبدالله بن عيسى بن علي وجميع إخوته في هذا البيت أثناء حياة والدهم.
شهد عهده الاهتمام بالنظم الإدارية وبناء المؤسسات على اختلافها، مركزًا في بداية حكمه على القضاء من أجل ضمان سير العدالة وحل مشاكل المواطنين وبصورة خاصة ما يتعلق بأمورهم الاجتماعية، مطبقًا عبارة العدل أساس الملك. كما أمر بتأسيس محكمة لدعاوى الغوص وحساباتها في عام 1894م. وكانت هذه المحكمة ضرورية لفض المنازعات والخلافات باعتبار البحرين تعتمد اعتمادًا كليًا وبشكل رئيسي في اقتصادها على صيد اللؤلؤ.
فقد بلغ عدد سفن الغوص في عام 1896م 900 سفينة وفق ما ذكره (صموئيل زويمر). وذكر (تشالريز بلغريف) عدد السفن في السنوات الواقعة بين عام 1926م و 1931م حوالي 500 سفينة سنويًا يعمل على ظهرها 20 ألف رجل، لهذا توجب تأسيس محكمة لدعاوى الغوص، وتلك لفتة مهمة من لدن عظمته لإنصاف الغواصين وعدم استغلالهم أو الاضرار بحقوقهم.
ونظرًا لما تمتع به من حكمة ورجاحة عقل، فقد بدأ اهتمامه بعد أن اطمئن إلى وجود قضاء عادل ونزيه بترتيب نظام الحكم الوراثي، المتمثل في تولي أكبر الابناء سنًا وراثة الحكم، والذي كان عرفًا دون وجود صك موثق وموقع عليه. فأصدر وثيقة تقضي بانتقال الحكم من الأب إلى أكبر الأبناء. وقد نالت تلك الوثيقة القبول والاستحسان من الجميع ووقع عليها كبار الأعيان في البحرين. وكان من نتيجة تلك الوثيقة تعيين الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة وليًا لعهد حاكم البحرين في عام 1898م. وبهذا ضمن للبحرين استقراراها وحفظ أمنها وصون وحدتها.
بعد أن وضع اللبنة الأساسية في ترتيب نظام الحكم، توجه للاهتمام بالنظم الإدارية وبناء المؤسسات المختلفة والتي منها إنشاء أول مكتب بريد عرفته البحرين في مدينة المنامة عام 1884م. وبقى مكتب بريد المنامة الوحيد في البلاد منذ افتتاحه وحتى عام 1946م حين افتتح بريد المحرق.
تزايد اهتمامه ببناء مؤسسات الدولة، فقد شهد عام 1917م تأسيس المكتب الجمركي لإدارة الجمارك، وتم تشكيل مجالس للزراعة والري من أجل زيادة القدرة الانتاجية من المزروعات المحلية لتوفير المواد الغذائية التي يمكن زراعتها محليًا وتقديمها لأبناء شعبه بأسعار منخفضة تكون في متناول الجميع. كما شهد عام 1919م بداية تأسيس المجالس البلدية، وعين الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة أول رئيس لبلدية المنامة ورئيس المجلس البلدي. وتعد بلدية المنامة ثالث بلدية يتم تأسيسها على مستوى الوطن العربي، الأمر الذي يؤكد بعد نظر الشيخ عيسى بن علي حاكم البحرين في مجال التطوير والتحديث.
تفهم عظمته ما كان يعانيه المواطن من ظروف صحية صعبة في ظل غياب الوعي بأمور الوقاية وعدم وجود المستشفيات وانتشار ظاهرة الأوبئة، فأمر بتأسيس محجرًا صحيًا في القضيبية في بادئ الامر، إلا أنه أمر بنقله إلى القلعة في (حالة أبو ماهر) في عام 1889م، كي لا تنتشر العدوى بين المواطنين.
زاد اهتمامه بالامور الصحية لمعالجة المرضى من خلال موافقته على تأسيس المستشفيات في البلاد ودعمها ماديًا ومعنويًا وتسهيل جميع متطلباتها. فقد بدأ أول مستشفى في عهده حين تم استئجار منزل تحول فيما بعد إلى مستشفى الارسالية الامريكية. وكان الشيخ عيسى بن علي يدعم المستشفى ماديًا ليضمن استمرار وجود المستشفى. ففي عام 1902م تبرع عظمته بقطعة أرض لبناء مستشفى الارسالية دعمًا منه لهذا المشروع الصحي المهم.
ووضع حجر أساس المستشفى في شهر مارس من عام 1902م، وبدأ تشغيله في عام 1903م. وشهد عهده مستشفى اخر وهو مستشفى فكتوريا الخاص بدار الإعتماد البريطاني الامر الذي جعل بعض المرضى من دول الخليج العربي يترددون على المستشفيات في البحرين.
لم يقتصر اهتمامه على تأسيس مستشفيات ثابتة، فاتجه حرصًا منه على سلامة آلاف الغواصين البحرينيين في موسم الغوص إلى تأسيس ما يعرف بالمستشفى العائم في عام 1924م، والذي هو عبارة عن سفينة كبيرة مجهزة بالأطباء والادوية لمعالجة رجال الغوص في مياه الخليج العربي بمن فيهم أبناء دول الخليج المجاورة.
وتوج اهتمامه في المجال الصحي ببناء مستشفى للنساء والأطفال في نفس عام 1924م، الامر الذي جعل المؤسسات الصحية في عهد مكتملة تخدم جميع أفراد المجتمع البحريني.
وبقدر اهتمامه بالمؤسسات الصحية اهتم بالمؤسسات التعليمية. فقد شهدت البحرين تأسيس اول مدرسة في عام 1899م وهي المدرسة الإرسالية. كما بدأ التعليم النظامي بطابعه الوطني اعتبارًا من عام 1919م عندما تأسست مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق، واعتمدت في بادئ الامر على الاعانات من الأهالي وبخاصة فئة التجار منهم.
ومما لا شك فيه ان الدور الاهلي لم يكن لينجح لو لا الدعم المادي السخي من قبل الشيخ عيسى بن علي حاكم البحرين، الذي تبرع بمبلغ 20 ألف روبية وهو مبلغ كبير جدًا في تلك الأيام، كما تبرع بقطعة الارض التي بنيت عليها المدرسة.
اخذت المدارس تفتح تباعًا في عهده وبصورة خاصة في عقد عشرينيات القرن المنصرم فقد تأسست المدارس في المحرق والمنامة والرفاع والحد والبلاد القديم باعتبارها مناطق ذات كثافة سكانية. وفي عام 1928م افتتحت أول مدرسة للبنات في مدينة المحرق ولاقت إقبالًا كبيرًا من مدينة المحرق. وتلك خطوة جريئة تحسب لحاكم البلاد.
كان الشيخ عيسى بن علي نصيرًا للثقافة وداعم لها، فلم يعترض على تأسيس الأندية الثقافية في عهده، بل على العكس من ذلك شجع على وجودها. فقد تأسس أول ناد في عهده في عام 1910م وهو النادي الإسلامي، وكان مقره بيتًا من الناحية الغربية من حي الفاضل بالمنامة. وفي عام 1913م تأسس نادي اقبال أوال من قبل مجموعة مثقفة من أبناء المنامة ومنهم: علي بن خليفة الفاضل، ومحمد علي التاجر، وسلمان التاجر، وناصر الخيري، وسعد الشملان وغيرهم.
شهد عام 1920م تأسيس النادي الادبي بالمحرق والذي عد من بين أهم الأندية الثقافية التي تأسست في مملكة البحرين. فقد قام بالعديد من الأنشطة الثقافية والتي من بين أهمها إشتراكه في المهرجان الأدبي الذي أقيم في القاهرة في عام 1927م بمناسبة مباعية أحمد شوقي أميرًا للشعراء. وأهدت البحرين ممثلة بالنادي الأدبي نخلة من الذهب وتحمل رطبًا من اللؤلؤ تبرع بها حاكم البحرين الذي عرف باهتمامه بالآدب والثقافة منذ نعومة أظفاره. وقد اشاد أحمد شوقي بهدية ملك البحرين في قصيدته التي ألقاها في حفل تكريمه جاء فيها:
قلدتني الملوك من لؤلؤ البحرين آلاءها ومن مرجانه
نخلة لا تزال في الشرق معنى من بداواته ومن عمرانه
وفي المجال الفني شهدت البحرين في عهده جلب أول سينما صامتة في عام 1922م. وسبقت بذلك البحرين العديد من الدول النامية بما في ذلك الدول العربية. فقد استقبل أهالي المنامة نبأ تواجد سينما في كوخ يقع على ساحل البحر إلى الغرب من موقع محاكم البحرين القديمة، وبالتحديد في موقع (كريم كنزي) فيما بعد وأخذ أبناء البحرين يترددون عليها وهم في حالة ذهول واستغراب مما يشاهدونه.
استمرت مملكة البحرين في عهد الشيخ عيسى بن علي تستقبل الجديد، فقد تم جلب أول مطبعة حجرية في عام 1913م، واشترك في جلبها ميرزا علي جواهري وأحمد عبدالواحد فلامرزي. وتمكنت هذه المطبعة من طباعة أول كتاب يطبع في البحرين وهو كتاب (مجاري الهداية) تأليف خبير البحر حينذاك راشد بن فاضل بن سيف البنعلي الذي طبع في يناير من عام 1923م. كما تخصصت هذه المطبعة منذ جلبها في طبع الأوراق الحكومية الرسمية، وطبع الكراسات الدينية، وبطاقات الدعوة على اختلافها، ومن بين أهمها بطاقات الزواج.
تفخر البحرين في عهده بتأسيس المكتبات التجارية وذلك لبيع الكتب. ففي عام 1920م افتتحت أول مكتبة تجارية في البلاد بالمفهوم المتعارف عليه في مدينة المنامة لصاحبها محمد علي التاجر في شرق سوق الطواويش بالمنامة. ولحقت بها في عام 1921م المكتبة الكمالية لصاحبها سلمان أحمد كمال التي جلبت لأول مرة الصحف والمجلات العربية من مصر. أما المكتبة الثالثة فهي (المكبة الوطنية) لصاحبها إبراهيم عبيد التي افتتحت بسوق القيصرية بالمحرق في عام 1929م، ونقلت إلى المنامة في عام 1937م.
ومن الجدير ذكره أن عهد الشيخ عيسى بن علي شهد بروز طبقة الشعراء والادباء الكبار وفي مقدمتهم الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة والشيخ محمد بن عيسى بن علي آل خليفة، والاستاذ عبدالله الزايد، وأديب البحرين الكبير الاستاذ إبراهيم العريض، فقد كانت لهم شهرتهم في داخل البحرين وخارجها. وقد ساهموا جميعًا في رفع أسم البحرين عاليًا أثناء حضورهم المؤتمرات والمنتديات واللقاءات الادبية والثقافية التي كانت تعقد في بعض العواصم العربية، كما كانوا في مقدمة مستقبلي كبار الادباء والمؤرخين العرب الذين زاروا البحرين في العشرينيات من القرن العشرين. وباختصار شديد كانوا بحق من رواد عصر التنوير في الوطن العربي وكانت لهم علاقاتهم بكبار الادباء والكتاب العرب.
توفي الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في عام 1932م بعد حكم دام 63 سنة وله من العمر 83 سنة، بعد أن بنى الأسس الحديثة للدولة، وجنب البحرين بفضل حكمته وحنكته السياسية الدخول في مواجهات مع القوى المختلفة المتواجدة في منطقة الخليج العربي. كما كانت علاقته مع جميع حكام الإمارات الخليجية أنذاك ومع الملك عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية في غاية التميز.
واصبحت البحرين في عهده دولة مزدهرة في جميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية. كما جعلها منارة علم وأدب، وشعلة فكر وثقافة أنارت ضفاف الخليج العربي.