العدد 4398
الخميس 29 أكتوبر 2020
السياق قبال المصادفة
الخميس 29 أكتوبر 2020

قديماً قالوا إن براعة الاستهلال من محسنات المقال، ويقولُ العلماء إن للسياق تأثيرًا بليغًا على النص، وإنه يلعب دورا أساسيا في الفهم، فعلى سبيل المثال: يصف اللغويون المفردة الدخيلة على النص بأنها خارج السياق، وهذا وصف من شأنه أن يُضعِف الكلام، وفي المقابل فإن السياق يساعدنا على فهم المعنى بصورة أعمق، ويلبس النص ثوب الانسجام. يُعرّف “ابن منظور” في لسان العرب السياق بأنه “ما تساوق” أي ما تتابع، والسياق يجب أن يتصف بالصفة العمدية في أغلب الأحيان، لأن الكلمة - كما يقول الأولون - قد تهدي ضالاً، وقد تُضلُ هاديا.

في علمِ الإدارة يوجد أيضاً سياق تنظيمي، يتبعهُ قائد المؤسسة ويتأثر به أعضاء الفريق، دعوني قبل أن أطرح الموضوع أقص عليكم هذه الحادثة: في حديثٍ جميل جمعني بأحد الأصدقاء قبل فترة وجيزة، وكعادة الأصدقاء الذين لا يسمح لهم الوقت والمشاغل الحياتية أن يلتقوا كثيراً، فإننا نسينا أنفسنا، ونسينا الوقت وامتد بنا الحديث لساعتين دونِ أن نشعر، وعند سؤالي عن عمله الحالي أجابني: هو ذاته عملي السابق ولا يوجد أي تغيير يُذكر. وقد فهمتُ من إجابته أن الأمور ليست على ما يرام. السياق المفتقد للتطوير وتغيير الدماء آفة المؤسسات وعدوها الأول.

يشدد علماء الإدارة على حقيقة مفادها أنه متى ما أصبح للمؤسسة طابع تقليدي، وأخذ في الامتداد دون توقف واصلاً إلى العمق فتيقن حينها أن التغيير سيصبحُ شاقاً ومُكلفاً. قد نتفهم خللاً إدارياً طارئاً يحدثُ في مؤسسة معينة يمكنُ أن يتسبب في عرقلة بعض الجهود، وحينها يمكنُ وصف هذا الخلل بأنه مُصادفة لا أكثر، أما أن تغلب على المؤسسة صفة التراجع المستمر بعد أن كانت متفوقة، فهذا يعني خللاً في السياق المؤسسي، هل هي مصادفة أم ضمن السياق أن يستمر فشل المؤسسة لسنوات طويلة، دون خطط تطوير بل تنتكس أكثر، من الأفضل أن تنتهي هذه الفقرة بالتساؤل.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .