العدد 4354
الثلاثاء 15 سبتمبر 2020
الآفاتُ النفسية... داءٌ أمْ وصمة عار؟
الإثنين 14 سبتمبر 2020

طفلٌ شديدُ العداء، امرأةٌ تنفجرُ بالغضبِ في كل حين مع أبنائها وزوجها، رجلٌ يُهددُ زوجته ويعتدي عليها بالضرب دون أن ترتكبَ خطأ، أبٌ يُوبّخُ ولده ويمارسُ عليه عنفاً جسدياً ونفسياً على الدوام ودون مبرر، سائقُ سيارةٍ يقودُ سيارته كالمجنون ويرشقُ السُوَّاقَ الآخرين برصاصِ لسانه البذيء... صُورٌ من المحيط الذي نحيا فيه وقعتْ عليها أبصارُنا أو التقطناها ولا ريب، بل قد نكونُ نحن مادةَ تلك الصور لا مُلتقطيها؛ فلنتفق بدايةً على وجودِ تلك الصور، ثم لنسأل، أهي صورٌ عادية من البيئة، أم هي تلوثٌ بيئي نعلمُ بوجوده وننامُ على قمامته؟ لِمَ ننبشُ القبورَ العفِنة، ونُحرِكَ المياهَ الآسِنة؟ حسناً، لأنها عفِنة، لأنها آسِنة! لأنه لابد لنا من إماطةِ اللثامِ عنها، لأنَّ الجُرحَ المتقيحَ يتقيحُ أكثر تحت ضِمادته، وتحت سقوفِ منازلنا قصصٌ شتى للألمِ والبؤس، لزيجاتٍ ليست حقيقية، ولآباءٍ يظنونَ أنهم يُربون أبناءَهم جيداً، ولأمهاتٍ مرضى بالاكتئاب، نحن نعاني من الأدواءِ النفسية والروحية التي قادتْ مراكبنا لمراسٍ مظلمة رطْبة وموحشة، وكلما ظننا أننا رسينا أخيراً إلى شاطئ الأمان قذفتْ بنا الأمواجُ مرةً تلو الأخرى لقلبِ المحيط الهادر؛ فكيف نخرجُ من هذه الدوامة التي غرِقنا فيها إذاً؟ هذه المرأةُ العصبية الغاضبة حليفةُ النكد على الدوام تعاني من اكتئابٍ حاد فتك بها بعد الولادة ربما، وذلك الرجل الذي يُعنفُ امرأته بلا جرمٍ منها أو جناية، لعله قد تعرض لعنفٍ أو تنمرٍ في طفولته، والأبُ الذي ظن أنه يربي طفله بالتنكيلِ والتعذيب والحبس تعرَّضَ لذلك هو الآخر من قِبَلِ والده ولا شك، والسائقُ المُتبجحُ المتهور غيرُ راضٍ عن نفسه وعن الآخرين لسببٍ ما.. لِمَ نُنكرُ أمراضنا النفسية، لماذا؟ لِمَ نتداوى إنْ اشتكتْ أعضاؤنا الألم ولا نداوي جراحات أرواحِنا وأنفسنا؟ لِمَ يُنكرُ الزوج وجود مرضٍ نفسي يفتكُ بزوجته وهو الذي يعاني كل يومٍ من مزاجها المتقلب؟ المشكلةُ ليست في الآفات النفسية التي نعاني منها؛ فهي مرضٌ كالصداعِ والحُمى، بل في آيديولوجية الفكرِ السائد في مجتمعاتنا الشرقية التي تنظر للأمراضِ النفسية على أنها وصمةُ عار وتعدُّها محض أوهام ليس إلا؛ فيمنعُ الرجلُ امرأته من العلاج ويأبى هو الاعتراف بوجود هذا الغول في أعماقِ ذاته وروحه حين يعاني هو الآخر. وبالنتيجة لا حلَّ لهذه المعضلة، ولا نجاةَ من تلك الكارثة إلا بالاعتراف والقبول بوجودها حقاً، ومن ثم معاملتها كداءٍ خبيث يسارعُ المرء جاهداً لعلاجه لدى المختصين فور اكتشافه مستعيناً بالله والمقربين ليجتثهُ من روحه وأرواحِ أحبته قبل استشرائه. عندها فحسب سينعمُ الكلُ بالراحة بعد العذاب ويعمَّ الأمنُ والسلام في الأسرة والمجتمع الذي سيرى مخاضَ جيلٍ قويٍ وسليم من الآفاتِ والعِلل النفسية، متسمٍ بالإيمان والإبداع والاكتفاء العاطفي.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية