+A
A-

"الأوقاف السنية": العودة إلى المساجد مع الأخذ بالاجراءات الاحترازية

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، فبعد انتشار جائحة كورونا صدرت القرارات الحكيمة والحازمة على جميع المستويات للحد من نشر الوباء وانتقاله واتخذت إجراءات شاملة في كافة مناحي الحياة، وشملت المساجد ذلك المرفق المهم الذي يلتقي فيه المسلمون بأعداد كبيرة خمس مرات في يومهم، وفي لقاء أشمل وأكبر يوم الجمعة، ونظراً لانتقال هذا المرض وسرعة انتشاره عُلقت الصلوات والجمعات في المساجد بشكل مؤقت.

ومع ازدياد وعي الناس بخطورة المرض، والتوجه للتخفيف من القيود وعودة الحياة إلى مجاريها، كان التوجه لفتح المساجد تدرجياً مرة أخرى، هذا القرار الذي أثلج صدور المصلين، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار الإجراءات الاحترازية للتخفيف من آثاره، وتطبيق هذه الإجراءات يحتاج لمزيد من الوعي المجتمعي والتعاون في تنفيذ القرارات حتى نصلي بأمان واطمئنان ونجتنب انتقال العدوى بإذن الله.

وتعود خلفيات هذه القرارات توسيعاً وتضيقاً لتقييم الوضع الصحي، فالأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق، والميسور لا يسقط بالمعسور، والإتيان بالواجب الشرعي بحسب الاستطاعة والإمكان، فلما خففت بعض الأحكام المتعلقة بالصلاة في وقتها وهيئتها بسبب الخوف والسفر حتى تندفع المشقة، أمر الله بإقامتها على أصلها تامة في أوقاتها عند الاستقرار والاطمئنان، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ ﴾، ثم قال: ﴿فَإِذَا اطمَأنَنتُم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾، ومن تمام إقامتها إقامتها في المساجد للمخاطبين بها، وقد نهى النبي ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث لحاجة المسلمين، فلما اتسع الأمر وزالت الحاجة رجع الأمر إلى أصله فقال: ( فكلوا وادخروا وتصدقوا) متفق عليه.

لذلك جاء قرار فتح المساجد وفق هذه الإجراءات الضرورية، ولهذه المبررات:

التدرج في فتح المساجد بداية من صلاة الفجر، وفي أغلب المساجد عدا المساجد المزحمة ومساجد الأسواق؛ وذلك لمراقبة الوضع الصحي، ووعي الناس بالاحترازات وتنفيذها، ثم فتح بقية الفروض وصلاة الجمعة، وفي سائر المساجد.

التباعد بين المصلين، وإن كان الأصل التراص، إلا أنه يسقط مع العجز وذلك لأداء صلاة الجمعة والجماعة التي هي من الطاعات العظيمة والشعائر الظاهرة؛ فيؤتى به بالقدر الذي يندفع فيه الضرر.

تقليل أوقات المكوث في المسجد بقدر أداء الفريضة والاجتماع لها، وهذا الإجراء غير مؤثر في أصل الجماعة، ولن يغير شيئاً من هيئتها، إلا أن فيه التخفيف من أوقات اللقاء، كما إن التوجيه لأداء النوافل في المنازل هو السنة، ويتأكد الأمر في مثل هذه الظروف.

امتناع من يشعر بأعراض المرض، أو يتوقع تأثره به من الحضور، وهذا لدفع الضرر؛ ففي الشريعة عدم إيراد المريض على الصحيح، والبعد عن الأمراض المعدية مع اعتقاد المسلم بأنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله عليه.

الالتزام بإحضار سجادة خاصة، ولبس الكمامات، وتجنب المصافحة، والحرص على تطهير وتعقيم اليدين؛ وهكذا الأحكام الشرعية ينظر فيها إلى المصلحة، وفي حالة الظروف الاستثنائية تراعى كل مرحلة والقدر الذي يجب أن يُتخد من إجراء، وقد يوسع أو يضيق بحسب الحالة.

ولتحقيق ذلك لا بد من تعاون الجميع، فإنّ مساهمة المصلين في تنظيف وتطهير المساجد قربة من القربات، وفضيلة وشرف، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدُّور وأن تنظف وتطيب "،  كما أن الالتزام بهذه الإجراءات يعزز استمرار أداء الصلاة في بيوت الله.

سائلين الله تعالى أن يرفع عنا الوباء والبلاء، وأن يتقبل صالح الأعمال.