العدد 2752
الأربعاء 27 أبريل 2016
تنويع مصادر الاقتصاد الوطني
الأربعاء 27 أبريل 2016

بسبب الانخفاض المستمر في أسعار النفط تعد أقطار الخليج العربي والدول المنتجة والمصدرة للنفط الخاسر الأكبر بينما تحقق الدول المستوردة للنفط انخفاضًا في فاتورة استيراد النفط. فالصادرات النفطية تمثل لأقطار الخليج العربي حوالي (80 %) من إيراداتها المالية العامة. وهذا الانخفاض لا يؤثر فقط على الإيرادات بل على النمو ورفد المشاريع الاقتصادية بالوقود المادي بل يطول ذلك المستوى المعيشي للمواطنين. ومع هذا الهبوط المستمر أصبحت اليوم الحاجة أكثر لتنويع مصادر الاقتصاد القومي بدلاً من الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل القومي. ومنذُ سبعينات القرن الماضي ساهم النفط كثيرًا في بناء العديد من المشروعات وتحسين مستوى المواطنين اقتصاديًا واجتماعيًا مما زاد نصيب الفرد في إجمالي الناتج المحلي، لكن الاقتصاد الخليجي افتقر خلال ما يزيد على الأربعين عامًا إلى التنوع الاقتصادي.
تشير العديد من التقارير الاقتصادية والنفطية الى أنه من المتوقع أن تنضب الاحتياطيات النفطية في عدد من أقطار الخليج العربي ومنها مملكة البحرين خلال السنوات العشرين القادمة. لذا فإن الحاجة إلى التنوع الاقتصادي في مختلف الأنشطة الإنتاجية والخدمية من أجل الاستمرار في البناء وتحقيق نمو أكثر في مختلف مجالات البناء الاقتصادي والاجتماعي من خلال إنتاج سلع جديدة واعتماد تكنولوجيات جديدة. ومن المفيد جدًا الاستفادة من مسيرة البلدان الأخرى التي انتهجت طريق تنويع الاقتصاد ونجحت في مهمتها، ومهما كان طريق العمل الإنتاجي الجديد طويلاً وصعبًا لكنه في النهاية سيكون منتجًا ومفيدًا. يجب علينا أن لا ننظر إلى مقدار التكلفة المادية ولا إلى الفترة الزمنية الطويلة بل علينا أن نؤمن بذلك القدر والكيف الإنتاجي الذي سينقلنا إلى مرفأ أكثر عُمقًا في الإنتاج وفي تحسين مستوى الاقتصاد للبلاد وفي تطوير معيشة العباد.
 فللنظر مثلاً إلى ماليزيا أين كانت وإلى أين وصلت حتى أصبح إنتاجها ومقدار صادراتها يُضاهي مستوى البلدان المتقدمة التي سبقتها.
والأمر في تنويع الاقتصاد ليس صعبًا، وليس لغزًا يصعب حله، كُل ما في الأمر على الدول أن تعمل على تحسين مؤسساتها وإنشاء البنى التحتية والحد من القيود التنظيمية للاستثمارات التي تتطلب العديد من التشريعات السياسية والقانونية واللوائح التنظيمية من أجل زيادة مساحة الاستثمارات المحلية والخليجية والعربية والدولية، مما يؤدي إلى بناء اقتصاد تكنولوجي متطور ومتقدم معتمدًا على “المؤثرات الخارجية الإيجابية” التي تعمل على تطوير الاستثمار ليكون قادرًا على الإبداع والابتكار أولاً ولتقليل الاعتماد على النفط كمنتح وطني وحيد ثانيًا وعلى المنافسة الدولية ثالثًا.
 كما أن تطوير الاقتصاد الوطني يستوجب تغيير منهجية العمل لدى المواطنين، فبدلاً من أن يتوجه المواطنون معظمهم للعمل في القطاع الحكومي عليهم أيضًا التوجه للعمل في القطاع الخاص، وهذا التوجه يتطلب أن تعمل الدولة على تغيير هيكل الحوافز المتاحة للعمالة والشركات وهذا التغيير يتطلب تقليص حجم القطاع العام ووضع حد أقصى لأجور العاملين في القطاع الخاص، وزيادة حوافزهم وتطوير مستوى أدائهم الإنتاجي بتدريبهم المستمر والدائم، بجانب تقديم المزيد من الحوافز وتجاوز القيود الإدارية والتنظيمية المنظمة للعمل الإنتاجي في مختلف أوجه الإنتاج في القطاع الخاص، مع إنشاء مصارف للتنمية الإنتاجية وهيئات لتشجيع التصدير توفر التمويل والدعم لمختلف قطاعات الأعمال الخاصة غير النفطية، كذلك يتطلب الأمر مجموعة من المناطق الصناعية والاقتصادية لتأسيس بيئة اقتصادية مستقرة ومناخ لممارسة الأعمال.
إن التنوع الاقتصادي كفعل صحيح يتطلب سياسات صحيحة ومستقيمة، لكون التنويع تزداد الحاجة إليه خصوصا في حالة الانخفاض المستمر لأسعار النفط وهو المعيل الأوحد للمالية العامة للدولة. لذلك فإن البلاد بحاجة إلى نظام تعليمي أفضل وملائم لتخريج قوة بشرية فاعلة ومنتجة، وتوجيهها نحو القطاعات الاقتصادية الخاصة المنتجة غير النفطية بدلاً من تكديسها في مجال العمل الحكومي والخدماتي. وهذا الأمر يتطلب تشجيع الأفراد على العمل في القطاع الخاص وحث الشركات والمصانع على البحث عن فرص تصدير جديدة تتجاوز الأسواق المحلية. إن العمل على تنويع الاقتصاد الوطني وزيادته سيعمل على تقليل العرض لتقلبات سوق النفط العالمية، وسيساعد على خلق وظائف في القطاع الخاص، وسيؤسس قاعدة اقتصادية لن تعتمد على قطرات النفط التي ستنضب على مر السنين.
 

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .