+A
A-

د. نورة آل سنان: جينات السمنة تكشف القابلية والاستعداد.. لكنها لا تلغي دور السلوك والبيئة والعلاج

د. نورة آل سنانيواصل «صحتنا» طرح سلسلة من الموضوعات المتخصصة في مجال الطب الجزيئي والوراثة الطبية، مع د. نورة راشد عبدالله آل سنان، اختصاصية الطب الجزيئي (تخصص أمراض وراثية)، ومؤلفة ومحكِّمة في النشر العلمي، في إطار سعيها إلى سبر أغوار هذا التخصص الحديث والواعد، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهميته ودوره المتنامي في تشخيص الأمراض وعلاجها بطرق أكثر دقة وتطورًا.
واليوم يفتح «صحّتنا» ملف جينات السمنة، وهو موضوع بات متداولًا هذه الأيام في ظل بروز السمنة ضمن أبرز مشكلات العصر الحديث، وسط تهويل ومفاهيم مغلوطة.
أكدت د. نورة راشد عبدالله آل سنان أن بعض الأشخاص لديهم استعداد وراثي أعلى لاكتساب الوزن، لكن هذا الاستعداد لا يعني أن السمنة حتمية.
وتابعت أنه في الحالات الوراثية النادرة، مثل بعض الطفرات التي تؤثر في مسار اللبتين أو الميلانوكورتين، قد تكون السمنة شديدة ومبكرة وتحتاج إلى تقييم طبي متخصص. أما في معظم الحالات، فالجينات ترفع القابلية فقط، بينما تلعب البيئة والغذاء والحركة والنوم والتوتر دورًا مهمًا في ظهور السمنة أو الحد من تأثيرها. لذلك، قد تزيد الجينات من الصعوبة، لكنها لا تلغي إمكان الوقاية أو العلاج.
وبينت أنه يمكن تقليل أثر الاستعداد الوراثي من خلال تغيير السلوك، خصوصا إذا كان التدخل مبكرًا ومستمرًا. ولكن من لديه استعداد وراثي قوي قد يحتاج إلى جهد أكبر، أو متابعة طبية وغذائية أكثر من غيره. لذلك لا يجب التعامل مع السمنة باعتبارها ضعف إرادة فقط، بل كحالة صحية معقدة تحتاج إلى فهم ودعم وخطة علاجية واقعية.

تعريف جينات السمنة
وأوضحت د. نورة أن المقصود بجينات السمنة هي الجينات أو التغيرات الوراثية التي قد تزيد قابلية الإنسان لاكتساب الوزن أو تراكم الدهون. والسمنة في معظم الحالات لا تنتج عن جين واحد فقط، بل هي حالة معقدة تتداخل فيها العوامل الوراثية مع نمط الحياة، والغذاء، والنشاط البدني، والنوم، والبيئة، وبعض العوامل الصحية والنفسية.
وتابعت أنه توجد حالات نادرة تكون فيها السمنة ناتجة عن خلل واضح في جين واحد، ويُطلق عليها السمنة أحادية الجين. وغالبًا ما تظهر هذه الحالات في مرحلة الطفولة المبكرة، وقد تكون مصحوبة بجوع شديد وغير طبيعي. أما السمنة الشائعة لدى معظم الناس فهي غالبًا متعددة الجينات، أي إن جينات عدة قد ترفع الاستعداد، لكنها لا تحدد المصير بشكل حتمي.

جينات مرتبطة بالسمنة
وأردفت أن الجينات المرتبطة بالسمنة تؤثر غالبًا من خلال الدماغ، خصوصًا المناطق المسؤولة عن الجوع والشبع وتنظيم استهلاك الطاقة. فمثلًا، يدخل جين MC4R في مسار عصبي يساعد الجسم على الإحساس بالشبع وتنظيم الشهية. وعند وجود خلل في هذا المسار، قد يشعر الشخص بجوع أكبر من الطبيعي أو يجد صعوبة في الوصول إلى الإحساس بالشبع.
وأضافت أن جين FTO ارتبط في بعض الدراسات بزيادة الميل إلى تناول الأطعمة العالية بالسعرات وضعف الإحساس بالشبع لدى بعض الأشخاص. وترتبط جينات LEP وLEPR بهرمون اللبتين، وهو هرمون ترسله الخلايا الدهنية إلى الدماغ ليعطي إشارة بأن الجسم لديه مخزون كافٍ من الطاقة. فإذا حدث خلل في هذا النظام، قد لا تصل رسالة الشبع بصورة سليمة.

وأضافت أن بعض الجينات قد تؤثر أيضًا في طريقة استهلاك الجسم للطاقة، وتوزيع الدهون، والاستجابة للرياضة أو النظام الغذائي، لكن تأثيرها لا يكون منفصلًا عن البيئة والسلوك اليومي.

تحاليل DNA لا تعطي حكمًا نهائيًا
وقالت: “يمكن لتحاليل DNA أن تساعد في تقييم الجانب الوراثي للسمنة، لكنها لا تعطي حكمًا نهائيًا بأن الشخص سيصاب بالسمنة أو لن يصاب بها. لذلك يجب النظر إلى تحليل DNA كأداة مساعدة ضمن تقييم شامل، وليس كبديل عن التقييم الطبي والغذائي والسريري”.

مفاهيم خاطئة
وفندت أبرز المفاهيم الخاطئة، ومنها الاعتقاد بأن هناك “جينًا واحدًا للسمنة” يتحكم في وزن الإنسان بالكامل. وهذا غير دقيق، لأن السمنة الشائعة غالبًا متعددة العوامل ومتعددة الجينات.
ومن الأخطاء أيضًا القول إن من يحمل جينات مرتبطة بالسمنة لا يستطيع إنقاص وزنه، أو أن تحليل DNA وحده قادر على تحديد الحمية المثالية لكل شخص بدقة مطلقة. كذلك يُطرح أحيانًا الموضوع وكأن السمنة إما وراثية بالكامل أو ناتجة عن قلة الإرادة فقط، بينما الحقيقة أنها مزيج من عوامل بيولوجية وسلوكية وبيئية ونفسية.
ولفتت إلى أن الإعلام أحيانًا يستخدم عناوين مبسطة مثل “اكتشاف جين السمنة”، لكنها لا تعكس الصورة العلمية الكاملة. فالجينات مهمة، لكنها جزء من القصة وليست القصة كلها.

علاج تعديل الجينات ليس معتمدًا حاليًا للسمنة
وأشارت إلى أن تعديل الجينات ليس علاجًا معتمدًا حاليًا للسمنة الشائعة. والسبب أن السمنة الشائعة ليست مرض جين واحد، بل هي نتيجة تداخل عدد كبير من الجينات مع البيئة والسلوك. لذلك، فإن تعديل جين واحد لن يكون حلًا لمعظم حالات السمنة. كما أن هناك تحديات كبيرة تتعلق بالسلامة والدقة والأخلاقيات، واحتمال حدوث تأثيرات غير مقصودة.
وقالت: “قد يحمل المستقبل علاجات أكثر دقة مبنية على فهم الجينات والمسارات الجزيئية، لكن الحديث عن تعديل الجينات لعلاج السمنة ما زال في نطاق البحث وليس التطبيق الروتيني”.

جينات السمنة حقيقة علمية
واختتمت حديثها مؤكدة أن جينات السمنة حقيقة علمية وليست مجرد مصطلح إعلامي، إذ توجد جينات تؤثر في الشهية والشبع وتنظيم الطاقة وتخزين الدهون، كما توجد حالات وراثية نادرة تسبب سمنة شديدة. لكن الخطأ يكمن في تصوير الجينات وكأنها حكم نهائي لا يمكن تغييره.
وأضافت أنها ليست تفسيرًا كاملًا للسمنة، بل تمثل جزءًا مهمًا من الصورة العلمية، ويجب فهمها ضمن إطار أوسع يشمل الجينات والبيئة ونمط الحياة والصحة النفسية والرعاية الطبية. فهي تكشف عن القابلية والاستعداد، لكنها لا تلغي دور السلوك والبيئة والعلاج.