انتهينا في الحلقة الماضية إلى القول إن أميركا وصلت إلى مرحلة التفاهم مع إيران بسبب عدم قدرتها على شن الحرب على إيران وإن أميركا عقب خسارتها لمنطقة نفوذ مهمة وهي مصر وانكشاف عورتها بعدم القدرة على الفعل بعد استعمال الكيماوي في سوريا اضطرت الى قبول الأمر الواقع وهو التعامل مع ايران بالقبول والتفاهم بحيث تستطيع ايران اخذ حصتها في النفوذ في المنطقة وفقا لما ييسره الواقع والاوراق التي تملكها ايران على الأرض وهذا الوضع قد بدأت مرحلته بعد أواسط العام الحالي 2013، وهذه المرحلة هي مرحلة هذه الأيام، كان رد الدول العربية التي لها علاقات مميزة مع الولايات المتحدة هو رفض التقارب الإيراني الأميركي وقد تكون مساعي الوحدة بين دول الخليج العربي الجارية في هذه الاثناء هي من قبيل الرد المباشر، ما الذي سيحصل في الزمن القادم في المنطقة بناء على ما حصل وهل ستعمل ايران على توسعة مناطق نفوذها؟.
من أجل معرفة أصول اللعبة السياسية الأميركية الإيرانية في الايام القادمة، علينا ان نتخلى عن المنطق التفليدي في حساب الأمور حيث ان الزمن الحاضر لم يعد ملائما لتلك الطرق التقليدية فإيران لن تسير جيوشا ولن تقطع خليجا من اجل احتلال ارض او بسط نفوذ وعلينا ان نتذكر ان ايران أوجدت قوة عسكرية على حدود اسرائيل دون ان ترسل جنديا واحدا ودون ان تظهر في خلفية الصورة للحدث عن طريق تسليحها وتقويتها لحزب الله في لبنان، ايران أيضا كسبت العراق كمنطقة نفوذ في الوقت الحاضر دون حرب ودون تدخل مباشر في الحرب التي قادتها أميركا وأسقطت فيها النظام السابق في العراق، وإيران لها علاقة في اكثر من منطقة من مناطق الشرق الأوسط، علينا ان نعرف ان السياسة في هذا المجال هي سياسة النفس الطويل الذي قد لا تتحقق فيه الأهداف الا بعد عقود من الزمن، ان النفوذ ومناطق النفوذ في الوقت الحاضر لا تصنعان من خلال الاحتلال انما من التأثير والعلاقات الثقافية والاقتصادية وإن الثقافة المشتركة مع احد المكونات الشعبية التي تصنع وحدة الآمال والطموحات هي اقوى من الاحتلال العكسري لأراضي دولة ذلك المكون. وعلينا ان نعلم ان زمن الحروب التي تؤدي الى احتلال مباشر قد ولى والخصم الآن ينتظر اخطاء خصمه ليوظفها لمصلحته ودليل ذلك ان اميركا كانت تعد لغزو يحصل في منطقة صحراوية منذ أواسط السبعينات من القرن الماضي لكنها انتظرت ربع قرن حتى وقع صدام حسين في الخطأ القاتل وهو احتلال الكويت.
اللعبة السياسية الآن في منطقتنا هي لعبة صنع الأوراق المؤثرة على ارض الواقع عبر سياسة النفس الطويل، وإن عماد هذه السياسة الوعي غير العادي لإحصاء أوراق الخصم ومعرفة اتجاه البوصلة عقب أي حدث مهما كان صغيرا او كبيرا، وعلينا ان نعرف هنا ان الامور السياسية عندما تكون الاهداف من ورائها كبيرة فإن وسائلها وسياساتها تكون كبيرة ايضا ومعقدة اكثر والحركة السياسية تكون دائما في مثل هذه الحالات هي الحركة غير المباشرة التي لا يستطيع خصمك ان يكتشفها وإن اكتشفها لا يستطيع ان يتقيها والصعوبة والتعقيد هنا يصلان الى درجة العبقرية التي تتطلب مبدعين في السياسة ودهاة وإن صنع الموقف السياسي الآن في اطار العلاقات الدولية لا يكون من خلال الحدث المرتبط بالهدف بشكل مباشر انما من خلال احداث وأهداف معلنة تؤدي الى النتائج المقصودة بشكل غير مباشر دون الاعلان عن هذه النتائج التي كانت هي الأهداف الحقيقية، وإنك ان ظهرت الاهداف التي تسعى اليها من خلال حدث معين فعلى الغالب ان خصمك سيرد بما يؤدي الى الحيلولة دون اهدافك.
وعلينا ان نعلم ان السياسات في الإطار الدولي الآن لا تمارس من قبل من يتقنون اللعبة الا من خلال القانون الدولي ومتطلباته ومن يريد الوصول الى اهدافه في اطار العلاقات الدولية لابد ان تكون سياساته متناسقة مع الشرعية الدولية.
علينا ان نعلم انه ان كانت لإيران اهداف في الخليج او البحرين بالذات او اليمن فإن ايران لن ترسل جيوشا ولن تقطع بحرا ولن تطلق طلقة عبر حدودها واللعبة السياسية تمارس الآن بالاسلوب الذي اشرنا اليه.
إن الزمن هو زمن لعبة الاحتراف والموهوبين سياسيا وليس الاسلوب التقليدي لأن السياسة حقيقة ابداع وموهبة.