اتضح وبما لا يدع مجالا للشك أنه لا مصلحة لأميركا في توجيه ضربة للنظام السوري بسبب استخدام السلاح الكيميائي ضد المدنيين العزل في سوريا، ولما وصل الأمر إلى مجرد توجيه أي ضربة محدودة من أجل إنقاذ ماء الوجه الغربي ومن أجل إبقاء أميركا في صورة القطبية لهذا العالم، استطاع وزير الخارجية الروسي لابروف أن يلقي الطعم الذي تقبل به أميركا بدلا من حماية المدنييين السوريين، وهو طعم مصلحة إسرائيل في القضاء على السلاح الكيميائي السوري الذي يفترض بأنه سلاح ردع ضد إسرائيل دون توجيه ضربة إلى سوريا، وهكذا قبلت أميركا بما ألقاه إليها لابروف وإن كان من ناحية معنوية أقل بالنسبة لأميركا، ألا أنه يحقق مصلحة إسرائيلية، وهذا يعتبر هو الأهم بالنسبة للأميركيين.
ما حصل في الأيام الماضية يلقي بالشكوك على فكرة أحادية القطبية التي استطاعت أميركا أن تقنع الناس بها قليلا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وإبان أزمة الخليج، بعد ذلك عندما تعبت أميركا من حروبها في العالم الإسلامي تحول العالم إلى عالم متعدد الأقطاب وإن كان ذلك من ناحية ظاهرية، وربما كان التدخل في ليبيا مثالا واقعيا على تعدد القطبية، لكن ومع ما حصل في الأيام الماضية فإن هنالك مظهرا واقعيا لعالم بلا أقطاب أو كما قال وزير الخارجية الفرنسي إلى عالم صفر القطبية.
والحقيقة أننا لا نظن أن هنالك قطبية بالمعنى الصحيح للكلمة إذا ما تعلق الأمر بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين في العالم لأسباب إنسانية وأخلاقية، وان القطبية التي ظهرت إبان ازمة الخليج والقطبية المتعددة التي ظهرت بعد ذلك إبان الأزمة الليبية لم تكن إلا لأن المصالح كانت موجودة بالنسبة للدول التي تدعي القطبية، لكن هذه الدول كانت تغلف تدخلاتها الدولية بالناحية الإنسانية، وهي في حقيقة الأمر لا تتدخل إلا من أجل ناحية مصلحية، كان النفط والقرار النفطي والاستثمارات في مجال النفط هو الدافع في حالتي الخليج وليبيا، أما الآن في حالة الشعب السوري فإن المصلحة لا تبدو ظاهرة لهذه الدول الكبرى، وإذا كانت مصلحة إسرائيل تهم هذه الدول فإن مصلحة إسرائيل تحددت في الأزمة السورية بعدم تدخل الغرب لإنقاذ الشعب السوري حتى لو استعمل ضده السلاح الكيميائي، والمصلحة الأميركية في التدخل هي قليلة تتعلق بماء الوجه، وهو ليس مهما كثيرا إذا بدت هنالك مصلحة أهم من إنقاذ ماء الوجه مثل مصلحة إسرائيل في أن لا تحتفظ أي دولة عربية بسلاح رادع لها.
الحقيقة هي أنه لا توجد هنالك قطبية ولا حرص للدول الكبرى في تطبيق القانون الدولي الإنساني إلا في الحدود التي تتفق معها عمليات التدخل لتطبيق القانون الدولي الإنساني مع مصالح الدول الكبرى المتدخلة، ففي الوقت الذي كانت أميركا تتدخل في الخليج العربي وتطبق البند السابع إبان التسعينات من القرن الماضي حصلت مذابح في رواندا ذهب ضحيتها أكثر من نصف مليون مدني أعزل من السلاح ولم تتدخل أميركا، وإن كان كلينتون الآن يقول بأن ضميره يعذبه لأن أميركا لم تتدخل لمنع قتل أولئك في رواندا، المؤكد أن المسألة ليست مسألة ضمير، وإنما مصالح فقط.