استكمالا لحديث الأمس حول الوضع غير الصحي الذي نحن فيه، ونظرا لأهمية الجانب الديني في حياة المواطن العربي على وجه الخصوص، وحيث إن الدين يتم استغلاله كما قلنا في أعمال ومواقف لا علاقة لها بالدين الحنيف، فإن هذا يلقي بدور حيوي ورئيسي على من يطلق عليهم رجال الدين، وحين نقول رجال الدين فنحن لا نعني بالقطع كل من أطلق اللحى أو انتمى إلى تنظيم أو تيار يحمل الطابع الديني، فذلك أبعد ما يكون عن تفكيرنا، بل نراه أحد أسباب الوضع الذي وصلنا إليه، ولكننا نعني الرجال الحقيقيين ممن يفهمون حقيقة الدين ومقاصده الأساسية وبحوره العميقة والبعيدة عن الآخرين، هؤلاء يحملون واجبا وهما وطنيا على عاتقهم يتمثل في انتشال المواطن العربي وبالأخص الشباب العربي مما أوصله المتوشحون بالدين في كل مكان.
عندما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام إن الخلاف رحمة للمسلمين فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يعني الخلاف الذي نعيشه وربما عاشته الأمة قرونا من الزمان، خلاف يأكل الأخضر واليابس ويخرج تيارات ترى التوحد في الحق عندها والكفر أو الارتداد عند من يخالفها، بل كان المعنى الخلاف في بعض النواحي الدينية والشرعية التي لا تمس الجوهر والأساس، فالأساس لا خلاف عليه والجوهر متوافق عليه كذلك، ولكن في التفاصيل يمكن أن نرى الخلاف الذي يجهل معظم المتوشحين بالدين في عصرنا ما هو وكيف يتعاملون معه ولا يعرفون كيف يغوصون في نحور الدين، بل هم يتمسكون بالقشور الخاضعة للتباين في الفهم والتفسير ويحولونها إلى جوهر.
في بعض دولنا الخليجية وحسب علمنا يتم تحديد مضمون وربما نص الخطبة الدينية وعلى جميع الخطباء الالتزام بها في كل المساجد، وفي مصر رأينا مؤخرا ميلا إلى هذا النهج، ومع الحاجة الوقتية في بعض الأحيان إلى ذلك إلا أنه يحمل المخاطر كونه يسير في خط سياسي محدد يريده النظام السياسي القائم – ايا كان النظام أو توجهه – وعندما يتغير النظام يتم بالقطع تغيير المحتوى والمضمون لتلك الخطب، وهو ما يجعل الدين تابعا وليس متبوعا ويفقد الخطب الهدف والغاية، فالدين اكبر من أي فرد وأي نظام مهما كان ذلك الفرد أو النظام.
وعندنا نجد نوعا من الصراع الخفي على المنابر الدينية بين التيارات السياسية المتوشحة بالدين، وهو صراع كسابقه لا يخدم الدين بقدر خدمته للتيار ذاته وتضيع الحقيقة والغاية الدينية بين جوانب تلك الصراعات التي تهدف أولا وأخيرا لخدمة أفراد في تلك التيارات، لذلك نقول إنها بعيدة عن الدين في حقيقته وجوهره، وفي خضم هذا الصراع غير المعلن نجد الجهة المسؤولة عن تلك المنابر، ونعني بها الأوقاف بشقيها، منقادة لهذا التيار أو ذاك لذلك يتم من خلالها التركيز على تيار معين والبعد عن التيارات الأخرى، وهو ما يؤدي في نهاية الأمر إلى أن تعتلي المنابر وجوها لا علاقة لها بإلقاء الخطب ولا حتى الحديث المباشر للناس، بل يصل بها الأمر إلى الوقوع في الخطأ التاريخي والديني أحيانا مما يشوه الصورة عند من يتلقى منهم.
كل ما سبق لم ولن يساعد في إيجاد الحل لما نتحدث عنه من وضع غير صحي نعيشه حاليا، ولن يكون الحل إلا بالاستقلال التام للدين عن كل تبعية لفرد أو نظام أو جهة، فهو للجميع ولا يمكن رسم طريقه بيد من يريد ان يجيره لصالحه أو صالح تياره أو جهته، لأن الخاسر من ذلك في نهاية الأمر هو الإنسان الذي يمثل الغاية عند الدين وفي جميع الرسالات السماوية... والله أعلم.