لا نستطيع المقارنة بين الولايات المتحدة الأميركية ومملكة البحرين بأي شكل من الأشكال، ومن يفعل ذلك فإنه إنما يضحك على نفسه قبل الآخرين، لا من حيث الحجم ولا القوة المادية ولا القدرة الاقتصادية، فكل هذه العناصر تمثل تفوقا لا يقارن في صالح الولايات المتحدة، ما عدا التاريخ الذي لا تملكه تلك الدولة وللمملكة فيه وجود وحق أكبر منها، ولكنه ماض لا يفيد في هذا المقام، لذلك يمكن فهم أن طرد الدبلوماسي الأميركي مؤخرا من المملكة أمر يصعب تصديقه عند الكثيرين وأمر استغربه كل من قرأه أو سمع عنه، فكيف لدولة بحجم المملكة أن تتجرأ على دولة بحجم أميركا وتطرد دبلوماسيا بحجم “توماس مالونيسكي”؟ ولكن من يتابع الأحداث يفهم أن الكيل قد طفح بما تمارسه الولايات المتحدة بحق البحرين حتى لو كان الفارق كبيرا وحتى لو كانت الحاجة موجودة لتلك الدولة، ولكن يبدو أن الكرامة قد مست بصورة كبيرة وغير قابلة للسكوت أو تمريرها كما لم تكن وكما حدث كثيرا في السابق.
لقد مارست الولايات المتحدة كل أشكال التمييز في المجتمع البحريني وتعمدت التجاهل بحق الدبلوماسية البحرينية طوال السنوات السابقة، وتدخلت في الشأن المحلي بما لم تفعله دولة أخرى حتى الدول الشقيقة ذات المصلحة المشتركة مع المملكة، بل كان تدخلها وكأنها المايسترو الذي يحرك الجميع في الساحة، ومع ذلك لم نجد رد فعل واحد من الدبلوماسية البحرينية حيال كل ذلك، بل كان الصمت هو السمة المميزة لها وكأن الدبلوماسيين الأميركيين يلعبون في ساحتهم المحلية التي لا شأن للمملكة بها، لذلك استغرب الجميع ما حدث مؤخرا.
هذا الموقف يذكرنا بما فعلته دولة الكويت في الثمانينات حسبما أذكر حين رفضت قبول تعيين السفير الأميركي الذي رشحته الإدارة الأميركية حينها ليمثلها على أرض الكويت، فقد كان سبب الرفض أنه كان يخدم قبل ذلك كسفير في الكيان الصهيوني، وقد كان تقدير الشارع العربي لذلك الموقف كبيرا للكويت ووضع في ميزان إيجابيات الديمقراطية التي سادت الكويت في تلك الفترة، بل لا زال هذا الموقف يضرب به المثل في استقلالية القرار وكيف أن دولة صغيرة ترفض طلبا لدولة كبيرة بحجم الولايات المتحدة الأميركية.
المهم من كل ذلك ألا يكون طرد الدبلوماسي ناجم عن إهماله للمسؤولين في الدولة فقط وعقده لقاءات مع جهات أخرى غير رسمية في حركة لا تتسم لا بالدبلوماسية ولا الكياسة بل بنوع من العجرفة التي لا يحق له ممارستها على أرض دولة مستقلة غير تابعة؛ لأنه لو كان ذلك السبب الوحيد فإن المسألة تتحول إلى مسالة شخصية ذاتية ولا علاقة لها بالمصلحة الوطنية ولا القرار المستقل، لذلك من المهم أن يكون قرار الطرد ناتج عن موقف يقول إن على أي مسؤول أجنبي أن يحترم الأرض التي يزورها ولا يمارس أي نشاط إلا بعلم وموافقة الجهات الرسمية المعنية، بل عليه أن يحدد البرنامج الذي يريد تنفيذه قبل وصوله وبتوافق مع الدولة التي يريد زيارتها، ونعني هنا المملكة، وإن أرض المملكة ليست مستباحة لمن يريد سواء من الأميركان أو الأوروبيين ولا أي جهة أخرى، والمسألة هنا ليست قيودا توضع بقدر ما هي تنظيم يتبع من قبل الجميع.
ثم نأمل ألا يكون قرار الطرد هو الأخير ويتم التراجع عنه بعد ذلك، بل من المهم أن يكون بداية يفهم الآخرون بها أنهم يتعاملون مع دولة مستقلة تملك قرارها... والله أعلم.