كتبت مرات كثيرة عن موضوع اللغة ولن أملَّ من الكتابة والعودة مرة أخرى وأخرى حتى يخجل البعض ويعطوا لغتنا العربية قيمتها ووزنها، ولن نتحدث هنا عن قيمة اللغة ولا عن الذاكرة الشعبية التي تمثلها ولا الوجدان ولا الفكر الذي يعيش بهذه اللغة ولا الكثير من العناصر الفكرية والفلسفية التي تقف دائما إلى جانب اللغة الوطنية في أي بلد وليس في البلاد العربية فقط، ولكن يمكن في هذه العجالة تناول قضية الكرامة التي تمثلها لغتنا العربية في داخل وطننا وليس بلدنا فقط فللوطن قيمة أكثر من البلد لمن يعرف هذا الأمر ويحس بالفرق بين الاثنين.
كثيرون يشعرون بالإهانة في الكثير من المواقع في هذا البلد عندما يتحتم عليهم الذهاب لأي مكان... محلات تجارية أو برادات أو مطاعم أو غير ذلك من الأماكن التي يمكن أن يفكر مواطن ما في الذهاب إليها، فحين يفكر المواطن في الذهاب إلى بعض هذه الأماكن فإن عليه أن يبدأ أولا بالمعهد البريطاني لتعليم اللغة الإنجليزية وبعد أن يتقنها يمكنه التجول في وطنه وأن يرتاد ما يشاء من مواقع، وآخر هذه المواقع التي ارتدتها شخصيا كان أحد المطاعم التي لم أجد كلمة عربية في قائمة الطعام الخاصة به ولم أجد متحدثا واحدا يفهم – ولا نقول يتحدث – اللغة العربية وحين سألت أحدهم عن هذا أجاب بكل بساطة (NO ARABIC ) .
تحدثنا قبلا عن الإعلانات التجارية ولوحات المحلات التي تسيء للغة العربية، وتحدثنا كذلك عن الكلمات الأجنبية التي تخرج من بعض مذيعي الإذاعة أو التلفزيون في عملية استعراضية لغوية مع أنهم يوجهون بها إهانة لذاتهم ووطنهم في ذلك الاستخدام، ومع ذلك لا يوجد مخرج أو معد لأي برنامج يوجه هؤلاء المذيعين، ولكن من غير الطبيعي أن نكون مجبرين في وطننا على استخدام لغة غيرنا للحصول على خدمة... حتى في المطاعم... فأي إهانة يوجهها المسؤولون في بلدنا للغتنا ودستورنا بإهمالهم هذا الأمر وعدم وضع شروط معينة على السجلات الخدمية تكون فيها اللغة العربية أحد هذه الشروط.
نحن لا نقول بعدم استخدام اللغات الأجنبية، لأن استخدامها يمثل وجها حضاريا لأي مجتمع وأداة من أدوات سير الحياة الطبيعية، ولكن ذلك يتم مع أصحاب تلك اللغات وربما معهم بعض العرب المنسلخين عن لغتهم العربية والجاحدين لمكانتها وليس لنا ومعنا كمواطنين عرب نعرف قيمة لغتنا ونعطيها حقها ومكانتها، لأنه لا يحق لأي كان أن يلزمني باستخدام غير لغتي في داخل وطني، وإذا أراد أحد أن يتحدث عن القانون والحرية الشخصية فإننا نقول إن عليه أن يقرأ الدستور ويبحث عن موقع اللغة فيه، حينها يحق له أن يجادل قانونيا في هذا الأمر مع أنه سيكون خاسرا من البداية.
إجبار أي مواطن على استخدام غير لغة وطنه وفي داخل وطنه يمثل إهانة له من خلال إهانة لغته والإيحاء بعدم أهلية هذه اللغة للاستخدام وإهانة أي مواطن في وطنه تمثل انتقاصا من حريته وإهانة للوطن ذاته، ومن لا يعمل على رفع هذه الإهانة من القادرين على ذلك من المسؤولين لا يحق لهم البقاء في أماكن مسؤوليتهم لأنهم لا يحافظون على حقوق المواطن والوطن.
لقد تناولنا من قبل دور مجلس النواب في هذا المجال وضرورة سن التشريع الذي يحافظ على مكانة اللغة العربية التي هي لغة النواب أنفسهم، ولكن يبدو أنهم منشغلون في أمور أخرى تخصهم ولا تعنيهم اللغة العربية قدر تلك الأمور، ولا نعرف في الحقيقة من نخاطب هنا... هل نخاطب من يمنح الحق في ممارسة العمل الخاص كوزارة التجارة والصناعة لتضيف شرطا يخص اللغة العربية، أم نخاطب البلدية النائمة عن أمور أقل أهمية ولا تحتاج لجهد أو تفكير فكيف بهذه القضية، لذلك ليس لدينا إلا أن نخاطب السلطة التنفيذية بمجملها لعل جهة ما منها تصحو لتكتشف ما يوجه من إهانة للغتنا العربية في كل المواقع في هذا الجزء من وطننا العربي... والله أعلم.