العدد 1877
الأربعاء 04 ديسمبر 2013
من يستخدم الدين في السياسة أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الأربعاء 04 ديسمبر 2013

يخطئ من يظن أنه بالإمكان إبعاد الدين عن الإنسان والحديث عن العلمانية كنهج للحياة، فهذا أمر لا يمكن أن يكون بحكم طبيعة الدين الإسلامي بالذات، ربما يمكن أن يحدث ذلك عند الأديان الأخرى كالدين المسيحي على سبيل المثال والقول عما لقيصر لقيصر وما لله لله، أما في ديننا الإسلامي فهذا أمر مستحيل، فالدين الإسلامي متشعب ومتجذر في حياة الإنسان اليومية بكاملها، ولا يمكن أن يتحرك المسلم في أي وقت وأي مجال دون أن يكون الدين مناره الذي يهتدي به.
إلا أنه من المنطقي أن يبتعد أصحاب الدين عن السياسة كسياسة، وألا يُستخدم الدين كغطاء للمصالح السياسة؛ لأن المصالح السياسية متغيرة باستمرار، أما الدين فثبات لا يتغير رغم مبدأ صلاحية الدين الإسلامي لكل زمان ومكان. السياسة تقوم على المصالح والتحالفات المرتبطة بها، وقد يحدث فيها ما يرفضه الدين، وقد يحدث فيها الخطأ والمناورات وغير ذلك من دهاليز العمل السياسي، وهذا أمر لا يمكن قبوله في الدين ولا يمكن ربطه به، من هنا القول بإبعاد الدين عن السياسة ليس لعيب في الدين ولكن لعيوب في السياسة.
يمكن أن نختلف مع رجل السياسة في الكثير من مواقفه وقراراته، بل يمكن أن يحدث ذلك في كلل ما يقوله ويتخذه من مواقف، بل يمكن أن نتصارع مع الأطراف السياسية علنا وأمام الأشهاد، ولكن لا يمكن ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل أن نختلف مع رجل الدين الحقيقي في الأمور الدينية الحياتية.. قد نتناقش معه ونتحاور في أمور عدة ولكن في النهاية يكون القول الأخير لرجل الدين في تلك الأمور.
ففي الانتخابات التي هي جزء من العمل في السياسة يمكن أن يمارس الكذب - وقد رأينا ذلك عندنا في السنوات الأخيرة - ويمكن أن يبحث الخصوم عن عيوب الآخر ونشرها علنا أمام البشر، بل قد يختلق طرف أمورا غير صحيحة ضد الآخر - وقد عشنا ذلك في الفترة الأخيرة - لذلك لو أراد رجل الدين ممارسة العمل السياسي فله ذلك كمواطن من المواطنين وليس كرجل دين، وعليه أن ينزع عنه الغطاء الديني ويدخل في تلك الدهاليز ويتحمل ما يحدث، ولا يستخدم الصفة في مواجهة خصومه وإلا أصبح الخصوم أعداء للدين في نظر الآخرين، بل يمكن أن تصل بهم التهم إلى الكفر والعياذ بالله لو جاهروا بخصومتهم السياسية مع رجل الدين..
من هنا يمكن القول بأنه على رجل الدين الكف عن اتخاذ مواقف الدعم السياسي لأطراف معينة أمام أطراف أخرى حتى لا يتطور الأمر عندهم ودون وعي إلى إطلاق صفات غير دينية عن أولئك المختلفين معهم، وهذا ما نراه اليوم من بعض رجال الدين المعروفين على الساحة العربية، وحين تصل بهم الأمور إلى استدعاء الأجنبي، وليته أجنبي فقط بل هو من أشد أعداء الأمة لينصره على خصومه السياسيين وليس لنصرة الدين، ويطالب تلك الدولة بضرب مصر وسوريا؛ لأنه يختلف معهم سياسيا بعد أن خسر تياره السياسي مصر، وفي نفس الوقت يستقتل ذلك التيار للحصول على سوريا، ومن قام بذلك مؤخرا يعد من (رجال الدين) الكبار وكان ممن يعتد بآرائه من الجميع تقريبا، ثم انحدرت مواقفه مؤخرا بسبب خلافات في السياسة؛ ليصل به الأمر إلى ما سمعناه منه يوم الجمعة الماضي بأن يستعين بالولايات المتحدة الأميركية على اباء شعبه ويدعوها للتدخل في بلاد المسلمين لنصرة طرف على طرف آخر مع أن الحقيقة هي لتدمير بلاد عربية من أجل السياسة.
الغريب أن الشيخ نفسه كان قبل ذلك من أشد المناهضين لتلك الدولة، بل كان يدعو عليها وعلى شعبها من فوق منبر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ولكن يبدو أن المصالح السياسية غيرت من موقفه وحتمت عليه الالتفاف وتغيير الوجهة والتحالف معها ونسيان كل مواقفها وكل ما قاله في حقها؛ لأن المؤامرة على الأمة تتطلب ذلك.. فهل هذا هو الدين الذي يحمل رسالته؟ وهل هذه صورة رجل الدين التي يريد رسمها في مخيلة المسلم؟؟ لذلك قلنا بوجوب إبعاد الدين عن السياسة وليس عن الحيالة كما يعتقد البعض وذلك لعيب السياسة وطهارة الدين.. والله أعلم.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية