مستخدموا «دوحة عراد» يرون في أوقات معينة أنواعا من الطيور داخل الدوحة لها موسم معين تكون فيه في هذا المكان وتغادره بعد ذلك، ويقال إن هذه الطيور تقطع سنويا آلاف الأميال لتصل إلى هذا الموقع وتمر عليه لتغادره بعد ذلك إلى مواقع أخرى وتعود من حيث أتت وهو ما يحدث كذلك في خليج «توبلي» كما نعلم.
هذا هو ما يحدث عندنا مع تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية الذي يصدر سنويا ويبين البسيطة والجسيمة ومواقع إهدار المال العام وتكرار هذا النزف المالي والإهمال ومعه التعالي الذي عليه بعض المؤسسات التنفيذية في المملكة في مؤسسات بعينها يتكرر فيها ذلك الهدر سنويا وبنفس الطريقة.
الفارق بين الاثنين أن الهجرة التي تقوم بها الطيور وتمارسها كل عام لها هدف معين وتعود عليها بفائدة محددة تهاجر من أجلها مما يعني أن الجهد الذي تبذله تلك الطيور هو جهد بفائدة، أما تقرير ديوان الرقابة السنوي فهو يمر علينا سنويا ولكن بلا قيمة ولا فائدة فهو جهد يقوم به العاملون في الديوان ويمارسون في سبيله عملا مستمرا طوال العام ولكن بلا قيمة إيجابية ولا فائدة تعود عليهم ولا على المجتمع جراء التقرير الطويل.
هم كالمواطن الصالح الذي يرى حفرة في شارع معين ولا علامة عليها فيتبرع من تلقاء نفسه بالوقوف قبلها بمسافة ليؤشر للسيارات المارة من اجل تحذيرها من تلك الحفرة ولكن سواق تلك السيارات يغلقون نوافذها ولا يعيرونه اهتماما ويواصلون السير فيقعون في تلك الحفرة ثم يتأذى ركاب تلك السيارات أكثر من السواق لأن السواق يستخدمون حزام الأمان.
لا نستطيع أن ننكر أن التقرير يحدث زوبعة كل عام ويحرك الأقلام ويخرج الألسنة لتتحدث ولكنها للأسف الشديد تكون كالزوبعة في فنجان كما يقول المثل لا أثر لها وتنتهي بسرعة كما بدأت دون أي تغيير ويعود الفنجان إلى وضعه الذي كان عليه وكأن شيئا لم يحدث.. هذا هو حال التقرير السنوي لديوان الرقابة المالية وتلك هي نتيجة العمل المتواصل والجهد الذي يقوم به العاملون في ذلك الديوان.
معنى ذلك أن الوزارات والجهات التنفيذية لا تعير الديوان أهمية ولا تبالي بالتقرير ولسان حال أولئك المسؤولين يقول للتقرير وأصحابه «افعلوا ما تريدون واكتبوا ما تعتقدون ولكننا نفعل ما نريد» ولا يمثل التقرير أهمية عندهم بل هم مطمئنون إلى النتيجة التي تقول لا تأثير عليهم ولا خوف من التقرير ولا «البلاوي» التي يتحدث عنها.
نحن لسنا في دولة مترامية الأطراف شاسعة المساحة متعددة الموارد ضخمة الميزانية... نحن لسنا في الصين أو روسيا أو الهند، بل نحن في بلد صغير محدود الموارد صغير الميزانية مما يجعل المحاسبة وضبط الأمور أسهل بكثير من تلك البلاد الكبيرة والقدرة على التقويم ومعرفة الأخطاء سهلة وميسرة ومع ذلك يأتي التقرير كل سنة ويتحدث بما فيه ويمر علينا بسرعة البرق ولا نرى له أثرا.
كأن الكثير من وزرائنا لا يرون أهمية للتقرير ولا الديوان الذي يصدره ويرون أنهم أقوى من ذلك الديوان ويعتقدون أنه أمر شكلي فقط من أجل الديكور وتزيين الصورة بأن لدينا جهة رقابية وأنها تقتصر فقط على الرقابة التي لا يتبعها فعل آخر مع أن التقرير يعني أن على العديد من الوزراء أن يحملوا عصاهم ويغادروا موقعهم كنتيجة للتقرير لا أن يضعوا النسخة التي ترسل لهم من التقرير في الأدراج أو الجهة التي يخصصونها لنسخ هذا التقرير كل عام ثم يغلقون الدرج وينسون ما فيه حتى الموعد القادم من العام القادم وهكذا دواليك.
وهناك بعض الألسن في المجلس النيابي – وهي فعلا ألسن فقط – تخرج علينا مع صدور التقرير لتمارس عملها السنوي في التهديد والوعيد والويل والثبور وعظائم الأمور يتحدثون عنها بحق المقصرين مع أنهم قبل غيرهم يعلمون أنهم لن يفعلوا شيئا لأنهم لا يعرفون ذلك الفعل بل يعرفون أمرا آخر، بعيدون عن دورهم الحقيقي المطلوب، لذلك عليهم أن يسكتوا أفضل لهم ولا يزعجونا بالقيل والقال لأنهم أصبحوا معروفين ومكشوفين ولا غطاء يستر تقصيرهم حتى مع قرب الانتخابات.
هذا هو حال تقرير الرقابة المالية كل عام فهل يرى احد فائدة من صدوره أو العمل عليه أو معرفة الإهمال والفساد الذي يتحدث عنه.. لا أظن وأتمنى أن أكون على خطأ هذه المرة.. والله أعلم.