ما الذي يمكن حدوثه مستقبلا؟
بعد الارتداد الذي بدأ في الخامس عشر من مايو 1971 في ما سمي بحركة التصحيح حينها، بعد ذلك سارت أو بدأت مصر تسير في طريق الفردية الحقيقية والديمقراطية الظاهرية، بمعنى أن الشكل كان يوحي بنوع من الديمقراطية تمثلت في تشكيل أحزاب محدودة تعمل تحت عباءة الحزب الحاكم الأوحد والأكبر وانتخابات لا يملك فيها الإنسان رأيا ولا قرارا وهو ما يعني أن الإنسان كان أبعد ما يمكن عن تصور النظام حينها، بل ان الدولة سارت في طريق مناهض ومناقض لتوجه الإنسان وابتعدت مصر عن ثورة 23 يوليو وتعمقت الفوارق بين البشر وانتفت الديمقراطية بازدياد تلك الفوارق وتعمق الحاجة لدى الإنسان المواطن حتى قامت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 وكانت مطالبها تمثل الديمقراطية الحقيقية والمبادئ التي قامت عليها ثورة 23 يوليو 1952.
ثم حدثت الانتكاسة بعد ذلك بصعود تيارات هي في حقيقتها أبعد ما يمكن عن الديمقراطية ولكن طريقها للصعود كان الحاجة لدى الإنسان ولعبها على ذلك الوتر بالتوفير المؤقت لحاجاته مما حدا بالإنسان العربي في مصر إلى العودة مرة أخرى للثورة وحشد الطاقات البشرية لذلك وتفتقت العبقرية لديه بما أطلق عليه حركة “تمرد” السلمية وليس العنيفة وهو ما يجعل السؤال كبيرا ويقول هل يمكن أن تحقق الثورة الجديدة الديمقراطية الحقيقية وهل تحمل بداخلها فلسفة ومفهوما للديمقراطية يختلف أو يطور ما تدرجنا عليه من فهم للديمقراطية كما أتت بها الأفكار الرأسمالية الغربية؟.
لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو نتاج صراع طبقي بالمفهوم التقليدي فقط ولم تكن ثورة عنيفة كما رأينا في الثورات السابقة وبالذات في الغرب صاحب الفكر الديمقراطي الرأسمالي بل بالإضافة إلى ذلك هي ثورة ضد فلسفة لا ديمقراطية وضد الظلم ومن اجل الحاجة الإنسانية وهي في نفس الوقت كانت نتاج صراع فكري ثقافي بين تيارات تنادي ظاهريا بالديمقراطية وتمارس عمليا وفكريا ما يناقض هذا الفكر وتلك الفلسفة وبين باقي المكونات الشعبية صاحبة الحاجة الحقيقية للديمقراطية السليمة.
هذا يعني أن إنتاج الفكر الديمقراطي القادم لن تكون الدافع له فقط الحاجة الاجتماعية والاقتصادية للإنسان كما رأينا معظم الثورات السابقة التي كان فيها الإنسان يطحن اجتماعيا واقتصاديا ويمنع بواسطة ذلك من ممارسة حقه في الديمقراطية والحرية، ولكن بالإضافة إلى كل ذلك فإن مكونا آخر وُجِدَ في هذه الثورة وهو مكون الصراع الفكري كأحد أسس قيامها بهذه الطريقة وهو ما يعني أنها يمكن أن تنتج فكرا ديمقراطيا يختلف في الفهم والطبيعة عن الفلسفة الديمقراطية التي نعرف والتي أنتجتها المجتمعات الرأسمالية الغربية الحالية، أو ربما هذا ما نأمل أن نراه كنتيجة من نتائج هذه الثورة الممتدة من يناير 2011 وحتى الآن.
هذه الثورة تعيش حاليا صراعا مشابها في الكثير من الأوجه ذلك الصراع التي عاشته ثورة يوليو 1952 مع وعي أكثر وتجربة أطول وربما قدرة أكبر على فهم طبيعة الأمور لاختصار الطريق وتحديد النواقص بسهولة تفوق ما حظيت به الثورة الأولى، فهي في الوقت الحالي في صراع مع الجماعة كما عاشت الثورة الأولى التي واجهت تحالف الجماعة مع الغرب لإجهاضها أو الاستيلاء عليها وهي كذلك تواجه تحالفا غربيا مناهضا، إن لم يكن علنيا فإنه واضح وجلي حتى على مستوى المخابرات كما رأينا في الثورة الأولى مع الفارق الكبير في القدرة على البحث والمعرفة التي يتحلى بها المجتمع الحالي عن مجتمع يوليو 1952.
ما يجب أن يكون واضحا ومفهوما من الجميع أن الثورة الحالية مازالت في بدايتها وأن الإنتاج الفكري لا يكون بين يوم وليلة وأن الأجهزة التنفيذية التي نراها ليست في حقيقتها معبرة تعبيرا سليما عن هذه الثورة وأن المجتمع العربي في مصر مليء حاليا بمناهضي العمل الثوري والتوجه الحقيقي للثورة من أصحاب المصالح الذاتية والفكر المتخلف، وأن الدولة العميقة التي تكونت خلال النظام السابق والأسبق مازالت منتشرة في جميع مفاصل الدولة التي تحتاج ثورتها لوقت طويل نسبيا لتطهير كل ذلك وإزالة المعوقات ووضع البداية الثورية الحقيقية للدولة الجديدة التي ستطبق الفكر الديمقراطي القائم على فلسفة ديمقراطية نأمل أن تختلف عن تلك التي أنتجتها الثورات الغربية الرأسمالية خلال السنوات الماضية... والله أعلم.