العدد 1871
الخميس 28 نوفمبر 2013
ثورة 30 يونيو ومستقبل الديمقراطية العربية (2) أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الخميس 28 نوفمبر 2013

ثورة يوليو والديمقراطية
يرى البعض أن ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 قد تكون أول ثورة شعبية خرجت من أجل الإنسان والديمقراطية عندما تحركت الفئات الشعبية في الجيش وتحركت معها الجماهير في مصر مساندة وداعمة، مع أن المختلفين يرون عكس ذلك ويصرون على ديكتاتورية تلك الثورة، لذلك لن يكون الحديث عن الثورة بمجملها ولكن فقط نود الحديث عن الجزء الديمقراطي منها. يعرف المتابع والباحث والقارئ أن مرحلة الثورة تختلف في الكثير من جوانبها عن مرحلة الدولة وأن لها قواعد مختلفة عن تلك التي يتم إرساؤها في مرحلة الدولة والاستقرار، بل إن بعض الثورات تكون مضطرة لاستخدام قواعد يراها البعض قواعد فردية أو ديكتاتورية من أجل أن تتم عملية التحول في وقت أسرع ومن أجل الابتعاد عن حالة الفوضى التي يمكن أن تصاحب الكثير من الثورات وسقوط الأنظمة، ولكن مع ذلك كانت بداية ثورة 23 يوليو بداية ديمقراطية مختلفة حتى إن خرجت قرارات أو قوانين وقتية مناقضة أو مختلفة... كيف؟.
كان إيمان ثورة 23 يوليو أن الديمقراطية فعل متكامل وليس مجرد حرية سياسية أو عمل حزبي أو رأي في صحيفة يقال دون رقيب أو غير ذلك من العناصر المكونة للحقوق والحريات والمتعارف عليها التي تشكل في مجموعها المجتمع الحر الديمقراطي دون النظر إلى الإنسان كإنسان، لذلك كانت ترى أن هناك أمورا يمكن أن تكون شكلية في البداية وهي ليست في الحقيقة التعبير الدقيق عن الديمقراطية، فتشكيل أحزاب على سبيل المثال لا الحصر تقوم على ما كان سائدا قبل الثورة لا يخدم مستقبل الديمقراطية بل يعمق الفوارق بين البشر ويزيد من الاستبداد الذي كان سائدا، وحصول الإنسان على حريته في الرأي والتعبير بقيد يعني انعدام تلك الحرية، وذهاب المواطن إلى صناديق الاقتراع لوضع ورقة انتخاب تعبر عن رأي ورغبة غيره من البشر ممن يتحكمون بمالهم أو سلطتهم في توجيه ذلك الرأي يعني انعدام حريته في الاختيار والانتخاب، لذلك كانت الثورة ترى أن الديمقراطية الشكلية التي كانت سائدة في عصر ما قبل الثورة لم تكن في حقيقتها نظاما ديمقراطيا بل كانت استبدادا وتعبيرا عن الفوارق في المجتمع وتحكم الإقطاع ورأس المال في مصير وحياة البشر فهي في حقيقتها سوق تباع فيه الحرية وتشترى كما قال “روسو” يبيعها صاحب الحاجة ويشتريها صاحب المال والسلطة. لذلك رأت الثورة (حينها) أن الديمقراطية الواقعية والحقيقية تبدأ في حقيقتها بالإنسان ووضع الأرضية السليمة لتجعله بالفعل إنسانا يملك قراره ويستطيع التحكم في ذلك القرار بعيدا عن الضغوط التي يمكن أن يبسطها المجتمع على ذلك الإنسان، حينها عملت الثورة على وضع الأرضية للديمقراطية السليمة التي تبدأ وتنتهي بالإنسان وتمر بمرحلة إزالة الفوارق في المجتمع والتقريب بين الطبقات وإنهاء الصراع أو احتمالات الصراع الطبقي العنيف في المجتمع وكانت التشريعات التي بدأت في خلال شهر واحد من انطلاق الثورة (قوانين الإصلاح الزراعي) هي تعبير حقيقي عن ذلك الفكر بالرغم من انتهاج الثورة في بدايتها مبدأ التجربة والخطأ، وحين نقول التجربة والخطأ فإن ذلك لا يعني أن الثورة لم تكن تعرف ما تريد أو الهدف ولكنها تجربة كيفية الوصول إلى ذلك الهدف أي تجربة الوسيلة وليس الهدف. هذا الطريق نحو الديمقراطية الذي كان يقوم على بناء الإنسان وبناء الوطن المستقل جعل الثورة تواجه منذ انطلاقها الكثير من المؤامرات في الداخل والخارج، في الداخل واجهت الثورة معارضة شديدة من فئات المجتمع التي كانت تملك المال والسلطة ومن تحالف معها من تيارات سياسية قائمة على التخلف لمنعها من بناء مجتمع ديمقراطي حقيقي، وفي الخارج واجهت مؤامرات لا حصر لها من الغرب الاستعماري لمنعها من بناء مجتمع مستقل وصلت تلك المؤامرات إلى حروب متتالية يراد بها إنهاك الثورة كوسيلة للقضاء عليها، ومع ذلك وبالرغم من كل ذلك وضعت الثورة الأرضية المناسبة لبناء مجتمع ديمقراطي بالرغم من النواقص التي كانت موجودة في ذلك الطريق، بل مهدت الطريق لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 بعد الثورة المضادة التي حدثت عام 1971، لذلك خرجت ثورة يناير تنادي بالمبادئ التي وضعتها وسارت عليها ثورة 1952 وتم استكمال كل ذلك بثورة أو موجة الثلاثين من يونيو 2013 الثورية التي ستكون محور الحديث القادم بعون الله.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .