الكثيرون من حولنا ينادون بضرب سوريا اليوم قبل الغد، وفي الخارج سواء المجلس الوطني أو الجيش الحر يطالبون بذلك، ويلومون الولايات المتحدة على (تخاذلها) في ضرب البلد العربي، وعندنا من يرى ذلك نصرة للدين.. الكثيرون يرون ذلك دون أن يحاولوا استرجاع القليل من الذاكرة ليروا ما حل بالعراق الذي نادى الكثيرون بضربه ساعتها ودفع الكثيرون من العرب المال والوقت في سبيل التخلص من نظام “صدام حسين” الذي لم ينحن ولم يتنازل وهو يرى آخرته ويرى الحبل متدل من أمامه وفي انتظاره، ولكنه تقدم بخطوات متزنة كما يتقدم الرجال الذي شحوا في عالمنا العربي اليوم.. المهم لو عاد البعض منا بالذاكرة قليلا لرأى ماذا فعل بالعراق وما حل بهذا البلد العربي الذي انقلب من ناصر للعروبة ومدافع عنا إلى خاذل لها ومتآمر عليها، وكان انقلابه باليد العربية للأسف والتي نادت بضربه منذ عشر سنوات، وهي الآن تتحسر على ما آل إليه حالها بعد أن خسر العرب العراق وقوته وجيشه الذي تحول إلى مليشيات وليس جيشا.
من المستفيد من ضرب سوريا العربية؟ وما هي الصورة التي ستنقلب إليها سوريا لو تم تدميرها كما حدث في العراق؟ مع أن المؤشرات تفيد أن الغرب عاد في رأيه وقد يبتعد عن توجيه ضربة عسكرية لهذا البلد ليس حبا فيه وليس خوفا منه، ولكنه يرى أن هناك طريقا آخر بدا يتضح للتدمير بعيد عن القنابل والصواريخ، وأن الوقت غير مناسب في الوقت الراهن لتلك الضربة كما قلنا في مقال سابق، والغرب لا يهمنا فيه شيء هنا بقدر ما يهمنا الجانب العربي الذي أصبح الكثيرون منهم غربيون أكثر من الغرب ذاته، وينادون بتدمير ذاتهم بيد الأجنبي، ويتجاهلون النتيجة التي يراها كل صاحب عين وصاحب عقل، ومع ذلك يغضون الطرف عن تلك النتيجة بسبب ما علق في أذهانهم من شوائب .
كيف يعمل الإنسان على قطع يده بيده الأخرى، وكيف يعاقب ذاته بذاته وكأنه في حالة من الاكتئاب النفسي الذي يدفع به للانتحار وهو لن يستفيد من انتحاره شيئا، بل سيخسر من حوله بغيابه، وهذا ما حدث عندنا عام 2003 بخصوص العراق، وما ننادي به اليوم بحق سوريا والمستفيد أولا وآخرا من كل ذلك ليس العرب بالقطع ولكنها أطراف أخرى.
أول المستفيدين من ذلك سيكون العدو الصهيوني الذي بالرغم من هدوء الجبهة بينه وبين سوريا لأكثر من أربعين عاما، ولكن على أقل تقدير هناك جيش عربي يمكن أن يشارك في أي حرب مستقبلية مع العدو وهو الجيش الذي وصل إلى القنيطرة وحررها بداية حرب رمضان (أكتوبر عام 1973)، وكان على وشك تحرير الجولان لولا توقف الجيش العربي المصري شرق سيناء، وكان قادرا بسهولة على التقدم، ولكن القرار السياسي منعه من ذلك، فلولا ذلك التوقف لكان الأمر مختلفا الآن على الجانب المصري والسوري، فتدمير الجيش السوري إحدى غايات العدو الصهيوني والغرب الاستعماري.. ليس الجيش العربي السوري فحسب، ولكن كل قوة عربية على الأرض العربية، ومن المهم عدم الخلط بين النظام والجيش في سوريا وغيرها.
أما الجهة الأخرى المستفيدة من ضرب الجيش السوري - ولا نقول النظام - فهو النفس الطائفي التجزيئي الذي بدأ يسود العالم العربي الإسلامي ليس بسبب الحراك الشعبي الأخير، ولكن بسبب ما يمر به من مؤامرات وتدخلات في هذا الحراك، فضرب الجيش السوري سيفتح الباب لتلك الفرقة ويقوي من شوكة الجهات الطائفية الحالية في سوريا سواء المقاتلة منها أو التي ستدخل في العملية القتالية، وبعد أن يتم تدمير سوريا سيعود المنادون بضربها الآن ويَعُضُّونَ أصابع الندم، ولكن ذلك لن يحدث إلا إذا استعادوا الوعي المفقود.. والله أعلم.