بعد معركة “ذي قار” التي تحدثنا عنها بالأمس، والتي حدثت بداية الدعوة الإسلامية، بعدها وبانتشار الدعوة وفتح مكة ونشوء الدولة العربية الإسلامية وعاصمتها مدينة الرسول العربي عليه الصلاة والسلام المدينة المنورة، بعد ذلك امتزجت العروبة بالدين الجديد، وعلا شأن الأمة بالإسلام، وتحولت من أمة تابعة مقطعة الأوصال يستجدي زعماؤها رضا الأجنبي (الفرس والرومان حينها) إلى أمة متبوعة قوية تفرض إرادتها على الغير ويتبعها الغير، ويحاول زعماء العالم الآخر نيل رضاها، ووصل الأمر إلى أن يدفع الآخر الجزية كوسيلة لنيل حماية هذه الأمة من الغير، واستمر حالها على هذه الوتيرة ردحا من الزمن إلى أن بدأ الوهن يدب في جسد الدولة العباسية بدخول العنصر غير العربي المسلم في هذا الجسد، وتحولها من دولة أمة إلى دولة زعماء نسوا العموم واهتموا بالخصوص، حينها عادت الدولة العربية الإسلامية من جديد لأن تتبع الغير ويقوى عليها ذلك الغير بعد أن استفاد منها. ولم تخرج الدولة العثمانية عن ذلك النهج، وعلى الرغم من القوة التي بدت عليها كونها كانت بعيدة عن لب الدين بإبعادها الأمة عن اللغة التي نزل بها هذا الدين، وفي نفس الوقت لم تخرج هذه الدولة عن سابقاتها بإبعاد الأمة عن القرار واختزاله في القمة التي سارت على نفس النهج التي كانت عليها القيادات في الدولة الإسلامية أواخر الدولة العباسية، وبعد انهيارها استمرت الأمة العربية الإسلامية في تبعيتها لغيرها من الأمم، والتي تحولت ساعتها من الدولة الفارسية والرومانية إلى الاستعمار الغربي بقيادة بريطانيا وفرنسا، وفي النصف الثاني من القرن العشرين تحولت الزعامة إلى قطبين آخرين هما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي، ثم في نهاية القرن الماضي سادت قوة واحدة هي الولايات المتحدة الأميركية ولا زالت هي القوة المسيطرة، ولا زالت معظم مكونات الأمة العربية الإسلامية تابعة لهذه الدولة تخشاها أكثر من خشيتها لخالقها، وتتلقى منها ما عليها القيام به أو الامتناع عنه ويستجدي الكثيرين منها رضاها ويخشون غضبها. والصورة تتجلى هذه اللحظة عمليا ونحن نرى روسيا والولايات المتحدة الأميركية تجريان مباحثات بشأن سوريا دون أي دور عربي فيها، بل المراقبة من بعيد وكأن هاتان الدولتان هما المسؤولتان عن سوريا وليس شعبها أو أمتها العربية، وهما - أي روسيا وأميركا - اللتان ستقرران ما على سوريا القيام به، فإحدى الدولتين تريد شيئا والأخرى بمثابة الوكيل عن القاصر، وإلا فليقل لنا أحد أن الوضع على غير هذه الصورة، أما الدول العربية فساهم بعضها في إشعال الفتيل ولا يعرف أو لا يستطيع إطفاء الحريق.
الحال هو الحال كما كان أيام “ذي قار” قبل الإسلام، وكانت تلك معركة ربما فارقة وعملت على نزع التبعية للغير وليس الاستقلال التام عن ذلك الغير، وأتى الإسلام فجسد الاستقلال وصنع الزعامة، ولكن أتى بعد ذلك من العرب المسلمين من لم يفهم ذلك، وفقد الإحساس بالكرامة، وباع الاستقلال، وارتضى على نفسه وعلى أمته التبعية وانعدام القرار، ووضع المصير في يد الغير، وليته كان غيرا محبا ولكنه غير معادٍ، ما عدا سنوات قليلة عاشتها الأمة بنوع من العزة، ولكن المصالح الذاتية حاربتها ولم تعطها الفرصة لتجسيد ما يريده أبناء الأمة.
الكرامة التي نتحدث عنها ليست فقط إحساس يتمكن من ذهن الإنسان العربي، ولكنه قبل ذلك واقع يود أبناء الأمة العيش فيه والانطلاق منه لأمة مختلفة مغايرة لما نحن عليه، والإنسان العربي المسلم يبحث منذ زمن بعيد عن هذه الكرامة الإنسانية، وخرجت جماهيره في كل مكان مؤخرا تنادي بهذه الكرامة، وجعلت منها شعارا لحركتها في الشارع، إلا أن أعداء الأمة في الخارج والداخل تعمل على وأد هذه الحركة وإفراغها من مضمونها، واختزالها في أمور أخرى قد تكون مطلوبة ولكنها جزء من الكل.. والله أعلم.