قبل عدة أشهر غادرت الدنيا فتاتان في عمر الزهور مباشرة بعد تخرجهما وقامت الدنيا حينها نقدا وتحليلا ومطالبة بموقف تجاه من يحمل المسؤولية المباشرة أو غير المباشرة عن الحادث وربما تم تشكيل اللجان لبحث الأسباب وغيرها.... ثم هدأت الأمور ولم نسمع شيئا عن النتائج ولا ما تم أو سيتم للمحاسبة والحفاظ على حياة المواطن، وأخيرا ذهبت فتاة أخرى مازالت تتحسس طريق الحياة ولسبب آخر غير الأول بل يحمل في جنباته ربما مسؤولية مباشرة فردية وجماعية ثم قامت الدنيا ودفع الحادث برأس السلطة التنفيذية وأعني سمو رئيس الوزراء للتدخل واتخاذ قرار بالنيابة عن الجهة المعنية التي كان عليها المسارعة بالفعل قبل ذلك ولكنها لم تفعل لأسباب لا نعلمها وتم على إثر ذلك تشكيل (لجنة) أخرى لبحث الموضوع وتحديد المسؤولية ولا ندري بالتالي ما إذا كانت هذه اللجنة كسابقتها أم سنسمع عنها شيئا.
في هذه العجالة لن نتحدث عن حادثة وفاة الفتاة ولكن نريد الحديث عن النتائج وماذا تعني فحسب ما سمعنا فإن الحادثة كانت منذ الشهر الماضي ولكنها لم تخرج للعلن إلا مؤخرا ولكن الجهات المعنية وهي هنا وزارة الصحة لم تتحرك عمليا ولم تحاول معالجة الأمر داخليا وانتظرت حتى يتخذ رئيس الوزراء القرار نيابة عنها وهو ما يعني احد أمور ثلاثة وهي إما أن يكون المسؤولون في الوزارة غير قادرين على اتخاذ قرار محدد في الأمر أو أنهم لا يعرفون اتخاذ ذلك القرار أو أنهم يخشون اتخاذ أي قرار مهم وكل تلك الاحتمالات تسيء إليهم أكثر من كونها تشفع لهم وتعني بلا شك التقصير في تحمل المسؤولية وفتح الباب للقيل والقال حتى لو كانت البراءة من المسؤولية هي النتيجة فهذا أمر آخر ولكن ما نعرفه أن كل حدث يستدعي قرارا وموقفا غاب في هذه الحادثة عن المسؤولين في الوزارة. نحن في وضع لا يحتمل التردد في اتخاذ القرار خصوصا في مثل تلك الأحداث والحوادث ومن ثم فتح الباب لكل من يريد لتحميل ذلك الحادث ما يمكن ألا يكون فيه وتوسيع رقعة المسؤولية أكثر مما هي عليه أو بعيد عن حقيقتها وتلك النتيجة يتحملها المسؤولون في الوزارة كذلك لعدم إقدامهم على موقف معلن ومحدد.
الأمر الآخر هو التساؤل عما إذا كان أصحاب القرار والمسؤولية في الوزارة قد علموا بالحادث عند وقوعه أم كان علمهم به متأخرا فلو كان علمهم بما حدث قد تم في وقته وبمجرد الحادث لكانت المسؤولية عليهم واقعة لعدم التصرف المناسب وقتها واتخاذ القرار المناسب الذي يجب أن يعيد الحق لمن فقده وبالتالي عليهم تحمل مسؤولية التقصير بصرف النظر عما كان ما حدث تقصير من الأطباء أو كانت البراءة في صفهم فهذا أمر آخر، أما إذا كان علمهم متأخرا فإن ذلك يعني أن أسلوب العمل المتبع في الوزارة (النظام) به تقصير فاضح لعدم وجود المتابعة المناسبة والمطلوبة للأمور وبالتالي يتحمل المسؤولون مسؤولية التقصير في وضع نظام مناسب للعمل والإهمال في ذلك.. الاحتمالان يعنيان ضرورة محاسبة المسؤولين وليس الأطباء المعنيين فقط.
ما نود قوله في هذه العجالة إن المسؤولية مفقودة هنا وهو ما يدفع الكثيرين من الوزراء والمسؤولين لعدم المبالاة بالتقصير الذي يحدث عندهم وعدم الاهتمام براحة المواطن وحياته لأنهم باقون في مناصبهم دون محاسبة، بل حتى السلطة التشريعية الغائبة (مؤقتا) لن تحاسب ولن تقوم بما عليها في تلك الحادثة ولا الحوادث الأخرى المشابهة، فالمسؤول يرى أن ما نحن فيه لا يعدو ثورة وقتية وغليانا سريعا ينتهي بلا شيء ويبقى كل في موقعه وعلى المتضرر اللجوء للقضاء (وهي عبارة شهيرة في الأفلام العربية) وتعني عدم التغيير السريع وان الحق بحاجة لوقت طويل للعودة إلى صاحبه.
نحن هنا لا نتحدث عن العقوبة التي يمكن أن يتحملها من أخطأ في الحادث فهذا أمر يقوم به من له الحق فيه ولكن نتحدث عن نظام متبع قد لا يمنع حدوث مثل تلك الحادثة مستقبلا، نظام يؤخر أو يمنع تحميل المسؤولية على المقصر، نظام يساعد على التقصير وعدم المبالاة بالنتيجة ليس في الوزارة المعنية ولكن في جميع المواقع الأخرى تقريبا.
لو عدنا بالذاكرة لاستدعينا الكثير من الأحداث التي مرت مرور الكرام دون نتيجة ودون عقاب ودون وضوح للمسؤولية وكانت الشخصنة احد عوامل غياب كل ذلك فهل ستمر هذه الحادثة مرور الكرام وتُنْسَى كما جرى في حادثة السيف دون حساب وعقاب ودون معرفة ما وصلت إليه لجان التحقيق... الله أعلم.