نقرأ في القرآن الكريم “وما كنا معذبين في الأرض حتى نبعث رسولا” في آية كريمة تعني الكثير لمن يريد المعرفة والتعمق، فهي تقول إن الله سبحانه وتعالى لا يجازي على ما لم يصدر به تشريع ولا يجازي إنسانا قبل أن يعلمه أن ما يقوم به خطأ وما هو جزاء ما يقترف من أخطاء فأعطى الإنسان حرية الاختيار وأعطاه حق المعرفة.
وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” في خطابه لعمرو بن العاص عندما اعتدى أحد أبنائه – ابن العاص - على رجل من العامة في مصر التي يتولى ابن العاص ولايتها في ذلك الوقت ومع ذلك لم تشفع له ولايته عند سيدنا عمر فأنبه على ما فعل ابنه وقال تلك المقولة الشهيرة التي يرى فيها المساواة بين البشر والحرية التامة في فعل ما يريد مادام لا يضر بالآخرين.
ومنذ عصور طويلة وقبل الإسلام كان الإنسان في حالة بحث دائم عن الاستقرار والأمن وتحقيق حريته والحصول على حقوقه التي مرت بفترات كانت فيها حقوقا مسلوبة إن لم تكن معدومة وكانت حرياته المختلفة غير متوفرة للجميع ولكنها كانت زائدة عند البعض ومعدومة عند الأغلب الأعم من البشر، إلا أن الإنسان عمل طويلا على تلك الحقوق وناضل لقرون طويلة من أجلها ومن أجل نيله حرياته المسلوبة حتى ظهر الإسلام وساوى بين البشر وبين الحاكم والمحكوم لا يفرق بين أحد وأعطى ذلك الإنسان حقوقه كاملة غير منقوصة ومنحه حقوقه جميعها وفي حدود متعارف عليها لا يكون فيها انتقاص لحقوق الآخرين، ثم أتى الغرب في نظرياته الفلسفية التي توجت ربما بنظرية العقد الاجتماعي عند روسو والتي أراد من خلالها تقليص الحقوق والحريات عند الحاكم وزيادتها عند الإنسان كسبيل وحيد للمساواة التي لم تحدث حتى تاريخنا المعاصر.
ثم أتت الحقوق والقوانين الدولية التي من خلالها يمكن القول ان الإنسان نال جزءا كبيرا من حقوقه ليس بصورة مباشرة ولكن عن طريق تقوية عناصر أخرى في الدولة كحرية الإعلام على سبيل المثال التي من خلالها تمكن الإنسان من فضح تقليص حقوقه والنيل من حرياته، ولكن مع هذه الحقوق اوجد الإنسان حقوقا أخرى كحرية المال والتجارة التي يبدو أنها تنتقص من حقوق الإنسان الفرد بصورة غير مباشرة.
ومن خلال ذلك يمكن فهم نظرية الفيلسوف العربي “ابن خلدون” في تشبيهه للحضارات بالعجلة الدائرة والتي تنمو فيها الحضارات وتكبر عند الدول حتى تصل إلى قمتها ثم تبدأ في الدوران مرة أخرى ويبدأ عندها الذبول والانحسار لتظهر حضارة أخرى تطغى عليها وهكذا دواليك، وإذا طبقنا ذلك على الحقوق نجد أن الحقوق تنمو وتتطور عند الإنسان وتشتد لفترة من الزمن ولكنها يمكن أن تبدأ في الانحسار كباقي مكونات الحضارات ويكون ذلك الانحسار من داخل تلك الحقوق وكأنها تدمر ذاتها، أي عن طريق ممارسة الإنسان لحقوقه وتجاوزه في استخدامها ليحفز الأطراف الأخرى للتحرك بصورة مضادة في محاولة لتقليصها من اجل حقوق أخرى تريد تجاوزها.
هذا ما يبدو حاليا وما نراه من بداية لتراجع حقوق الإنسان وتقليص متوقع لحرياته تحت الكثير من الذرائع من قبل الأنظمة بصورة عامة وليس خاصة أو نظام محدد ولكن التوجه المشاهد هو التراجع التدريجي لتلك الحقوق بذريعة امن الأوطان والأنظمة وهو تبرير يصعب على الكثيرين مجادلته خصوصا أن الجانب الأمني قد يسبق عند الكثيرين قضية الحقوق الفردية وكأن ممارسة الإنسان لبعض حقوقه وإسراف البعض في تلك الممارسة إلى الدرجة التي تحسبها الأنظمة نوعا من التجاوز في الاستخدام مما دفعها لاستخدام التناقضات الراسخة في المجتمعات لفرض القيود على الأفراد سواء كانت تلك التناقضات اجتماعية أو اقتصادية أو غيرها من التناقضات، المهم أنها تثمر أحيانا في أن يعود الإنسان إلى الوراء في الجوانب الحقوقية والحريات الفردية.
بعض وسائل التربية للأطفال هي منع الطفل من استخدام لعبة يحبها وضغط على والديه طويلا لشرائها ولكنه أحيانا يسيء استخدامها فيدفع بوالديه لمنعه من ذلك الاستخدام أو تخريب تلك اللعبة كنوع من العقاب... فهل يكون الإنسان وحقوقه كذلك الطفل ولعبته؟... الله أعلم.