جماعة الإخوان المسلمين في منطقة الخليج العربي متباينة المواقف حيال النظام في كل بلد عن الآخر، ففي حين تحتضن بعض الأنظمة الجماعة كما هو الحال في البحرين نجد أن أنظمة أخرى تتخذ خطا مناهضا منها كما هو الحال في الإمارات العربية المتحدة وتتوجس قطر على سبيل الحال من الجماعة بالرغم من العلاقة الدولية الحميمة مع الجماعة والمساعدات غير المسبوقة التي قدمتها لها طوال العامين السابقين على سبيل المثال أما الكويت فقد غضت الطرف عن نشاط الجماعة بسبب التجربة الديمقراطية هناك وعدم حدوث عامل تصادم حتى الآن على الأقل مع أن مؤشرات ذلك قد بدأت في الآونة الأخيرة، وأخيرا تتخذ المملكة السعودية موقفا سلبيا خافتا من الجماعة بسبب السيطرة السلفية على الشارع هناك وعدم تلاقي الفكرين الإخواني والسلفي، المهم في كل ذلك أن العلاقة ليست واحدة للجماعة داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي مما يستدعي من الجماعة وفي ضوء الثورة المصرية الجديدة وانكسار حكم الجماعة القصير هناك أن تبدأ في مراجعة شاملة لأسلوب العمل الذي تسير عليه وعلاقتها بالآخرين لا نعني هنا العلاقات الشخصية بل العلاقات السياسية والفكرية والعملية قبل الشخصية.
بنت الجماعة في كل مكان على ما يبدو علاقاتها مع الآخر على أساس نوع من الانعزال عن الجماعة الأكبر تتخذه جماعة الإخوان المسلمين على أقل تقدير في بلد النشأة مصر لذلك أنشأت مجتمعها الخاص بعيدا عن المجتمع الواسع في الدولة سواء في العلاقات الاجتماعية كالأسرة والزواج أو العلاقات العملية سواء في التجارة أو العمل الحكومي لذلك حاولت أن تبسط يدها على أي موقع تكون لها فيه نوع من الكلمة وتغلقه عن كل من هو من غير الجماعة، لذلك ربما يكون أفراد الجماعة قد عاشوا في حلقة مقفلة وبالأخص في المجتمعات الكبيرة مثل مصر وسوريا وغيرها من الدول فالعمل والزواج والسكن يكون ضمن إطار الجماعة حتى وإن كان في الدولة وبهذا يكون عضو الجماعة يعيش في عزلة عن المجتمع الكبير ويكون بالتالي من عليه مغادرة الجماعة... هذا ما فهمناه من الأسرار التي خرجت من رحم الجماعة وهي كثيرة في الفترة الأخيرة ليس لكثرة عدد الخارجين من الجماعة عن الفترات السابقة ولكن لتمكن الإعلام في السنوات الأخيرة عما قبل.
في ظل هذا الانغلاق من قبل الجماعة في وجه الآخر يتبادر السؤال المهم عن العلاقة الرأسية التي تربط القيادات بالقواعد خصوصا في منطقة الخليج العربي التي لا نعتقد أنها تصل في سريتها إلى مستوى ما هو موجود في مصر حيث ان التصادم لم يحدث بينها وبين الأنظمة الخليجية وبالذات النظام في البحرين لذلك عاشت الجماعة بيننا في صورة شبه علنية – ولا نقول علنية – شبه علنية لأن عملها يبدو ظاهرا للجميع وليس بحاجة لإخفائه عن الناس وهذا بالطبع لا يعني جميع الأعمال ولكنه ربما يقتصر على العمل الخيري الذي يمثل الواجهة العلنية لعمل الجماعة في كل مكان أما الأعمال التنظيمية والفكرية والرياضية فهي أعمال ليست ظاهرة كغيرها من الأعمال الخيرية وهو ما يضع علامات استفهام عديدة على كل ذلك خصوصا لو عرفنا أنه حتى واجهة عمل الإخوان في المملكة لا تقبل العضوية إلا بعد التدقيق والبحث والتحري كما كان يحدث في مصر ومازال.
لذلك فإنه بعد أحداث مصر الأخيرة وثورتها في الثلاثين من يونيو الماضي لم يعد كل ذلك متقبلا من قبل الأنظمة لأن الثورة فتحت الأبواب على الكثير من أعمال وأساليب الجماعة في العمل على الساحة المصرية وهو ما ينعكس على الساحات الأخرى التي ليست لها الخصوصية حيث لا تستطيع كل ساحة أن تعمل بمعزل عن الأخرى إلا في أمور صغيرة وثانوية والتي منها على سبيل المثال لا الحصر تلاقي المصالح مع الجهات الأخرى في أوقات معينة، ولكن تلك المصالح ليست دائمة وليست في انسجام دائم وسيأتي اليوم الذي تتناقض فيه تلك المصالح.
من هنا يتضح ضرورة وأهمية حدوث المراجعة عند الجماعة سواء مراجعة الجانب التنظيمي الذي يلفه الغموض أو الجانب الفكري النظري الذي يتجاذبه الجانب الدعوي الذي أسست الجماعة من أجله والجانب السياسي الذي سعت له الجماعة منذ أكثر من ستين عاما، هذه المراجعة غدت مهمة لتحسين صورة الجماعة الشعبية بعد أن أصابها ما أصابها بممارسات قياداتها في مصر وغيرها من الدول العربية وجعلت منها بعيدة عن الحاضنة الأساسية لها... والله أعلم.