منظر مخيف ذلك الذي نراه اليوم في الشارع المصري بين ميدان التحرير وباقي ميادين المحافظات الأخرى من جهة وميدان مسجد رابعة العدوية من جهة أخرى حيث تتمركز في الجهتان فئتان متباينتا الفكر والتوجه وتحمل ربما إضافة لذلك تحسس من الطرف الآخر وهذا الخوف نابع من توجس النتيجة التي يمكن أن تخرجها مسيرات (الأحد) الثلاثين من يونيو التي حددته حركة تمرد للخروج من اجل المطالبة بسقوط النظام الحالي مما دفع النظام لإخراج الموالين له في الميدان الآخر لمناهضة هذا التوجه.
تلك تمثل واحدة من نتائج الحركة الجماهيرية العربية التي أطلق عليها الربيع العربي بسبب عدم وجود قيادة وطنية حقيقية لتلك الحركات في البلاد المختلفة عندما حدثت وكانت في معظمها تسير بإرادة جماهيرية ذاتية مما فتح الباب للحركات المتسمة بالدين إلى أن تطفو على الآخرين كونها جهات منظمة تنظيما دقيقا وكانت تتلقى الدعم في الكثير من الأقطار وترتبط بنوع من التنظيم الواحد على مدى الوطن العربي، وهذا الارتفاع إلى القيادة في الكثير من الأقطار التي مرت بها تلك الحركات وربط الوضع الجديد بالدين مما يقصي جميع اللامنتمين لتلك التيارات دفع بالباقين إلى التوجس خيفة من الهيمنة الجديدة والنية التي تحملها تلك التيارات في وأد العمل الديمقراطي وجعله كما قلنا في السابق وسيلة للوصول فقط ثم إغلاق الباب عليها.
إحساس باقي فئات الشعب وهي الأغلبية بنزع الصفة الدينية عنها مع أنها فئات متدينة ومتمسكة بالدين ولكنها تختلف فكريا وسياسيا مع الجهات التي وصلت إلى الحكم كما في تونس ومصر دفع بها إلى الميل إلى الطرف المقابل والمناهض للنظم الجديدة، ثم ان الأنظمة الجديدة وبسبب هبوط الفهم السياسي لديها وهو الهبوط الذي دفع بها إلى محاولة إقصاء الآخر حتى لا تتبين نقاط الضعف لديها حاولت الاستيلاء على كل مفاصل الدولة لأنها تعي أن ما فيها من ضعف وبعد عن باقي فئات الشعب عنها سيقلل من فترة بقائها على القمة ويعجل في نزولها من على تلك القمة وهو ما زاد من الفرقة بينها وبين الفئات الأخرى وخلق التنافر بين الطرفين، طرف يحكم وطرف آخر محكوم.
قد تكون الصورة غير واضحة حتى الآن في تونس كون الثورة هناك نجحت بسرعة بسبب خوف رأس النظام فيها وسرعة هروبه قبل أن تبدأ الأيادي الأخرى في العمل كما حدث في مصر التي حاول رأس النظام فيها البقاء والقتال وأعطى الوقت الكافي للجهات الأخرى لتضع بصمتها على نتائج الثورة التي نراها واضحة جلية الآن، ونراها كذلك على شكل معارك تدور على الأرض العربية السورية مع أنها تأخذ شكلا آخر ولكنها تصب في نفس الاتجاه وهو الانقسام الشعبي الذي أصاب الشعب العربي في كل مكان.
الصورة في مصر اليوم تنذر بمخاوف مما هو قادم بسبب إصرار الجهتين المتناقضتين كل على موقفه ورأيه، الشعب من جهة أحس بخطأ إعطاء الفرصة للإخوان المسلمين في الوصول إلى الحكم وان عليهم مغادرته كونهم أثبتوا نوعا من العنصرية الحزبية أو الفئوية تجاه الآخر إضافة إلى عجزهم عن تقديم الحلول المناسبة للمشاكل التي تعاني منها البلاد وهو ما يعني ضرورة رحيلهم وليس بقاءهم حتى الاستحقاق الانتخابي القادم لأن بقاءهم هذه الفترة يعني تدمير الكثير من الإنجازات التي يرنو إليها الشعب وتكبيل أو تقييد الديمقراطية التي وصلوا من خلالها، وعلى الجانب الآخر وهو جانب النظام أو التيارات المتشحة بالدين كالإخوان المسلمين في مصر يرون أن خروجهم الآن أو بعد سنوات يعني بما لا يدع مجالا للشك انتهاء عملهم السياسي وبعدهم عن السلطة التي ظلوا يحلمون بها لعقود سابقة إلى عقود طويلة قادمة.
أحد جوانب الخوف مما هو قادم العلاقة القادمة بين مكونات الشعب المصري وما يمكن أن تنتجه الحرب السياسية الحالية على تلك العلاقة وما إذا كانت ستعود إلى وضعها الطبيعي أم أنها ستكون مختلفة بسبب تغلغل تنظيم الإخوان المسلمين وحلفائهم في المجتمع الشعبي الفقير.
نأمل ان يكون ما نراه ونتوجس منه في المستقبل خطأ ويعي الجميع عواقب الوضع الراهن وبالذات في مصر كونها مقياس الحدث العربي وترمومتره... والله أعلم.