العدد 1718
الجمعة 28 يونيو 2013
النفوس والأفكار تتبدل بعد الجلوس على الكرسي أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الجمعة 28 يونيو 2013

هذا ما فهمناه من الخطاب المطول الذي ألقاه الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي مباشرة للشعب وهو نفس الشعب الذي أراده أن ينام مبكرا بقرارات بعض محافظيه بإغلاق المحلات والمقاهي في العاشرة مساء ولكنه أصر على أن يبعده عن النوم لسماع تلك الكلمة التي امتدت لأكثر من ساعتين ونصف الساعة وإلى ما بعد الثانية عشرة من منتصف الليل ولكن يبدو أن الأمر له متطلباته وأن هناك أسبابا استدعت هذا التأخير والتي منها ربما عدم اكتمال ذلك الخطاب.
ما ورد فيه لم يكن يرقى إلى خطاب رئيس ومعظم ما سمعناه هو أرقام بعد أرقام وكأننا في محاضرة للرياضيات التي أراد منها الرئيس امتصاص جزء من الغضب الذي يعيشه الشعب المصري بسبب الأخطاء الكثيرة التي وقعت فيها مؤسسة الرئاسة المصرية ولمدة عام حتى الآن مع أنه كان بالإمكان أن يبتعد الرئيس عن تلك الأخطاء المتتالية لو كان قد استمع لصوت العقل والشعب والرضوخ لإرادة ذلك الشعب ولكنه للأسف الشديد كان يستمع لإرادة الجماعة فقط التي تعلو في نظره على أي صوت آخر مهما كان مصدره.
يبدو أن للكرسي قيمة لا نفهمها وتدفع بمن يجلس عليه أن يغير من كل أقواله قبل ذلك الجلوس ويعتقد انه بتقديم الرشاوى لبعض فئات الشعب يستطيع تفتيت ذلك الشعب كما سمعنا في الخطاب حول التأمين الاجتماعي وزيادة مرتبات ذلك التأمين لتصل إلى عشرين دينارا بحرينيا أو أربعمئة جنيه مصري والجميع يعرف ما معنى تلك القيمة في السوق المصرية وليس البحرينية فهي لا تفعل شيئا ولا قيمة فعلية لها مع التضخم التي تعاني منه البلد والزيادة الرهيبة في الأسعار في المواد الأساسية فقبل الترفيهية أو التكميلية، لذلك سمعنا لغة تهديدية للجميع بعد أن كانت اللغة قبل الجلوس تقرب إلى كل تلك الفئات بل ان الاسطوانة التي تستخدمها كل الأنظمة العربية تقريبا عن أعداء الشعب والمؤامرات والتقرب من المؤسسات العسكرية والأمنية.
ما نفهمه أن الوقت قد مضى وأن التراجع أصبح غير وارد عند الجميع من الذين قرروا الخروج يوم الأحد القادم لإسقاط الرئيس والنظام وكان الأولى بالرئيس محمد مرسي أن يفهم ذلك ويحقن دماء الشعب المصري في خطاب الأمس لأن ما نعرفه أن المنتمين لحزبه وجماعته أعدوا العدة للدفاع عن بقائهم في الحكم وأنهم قرروا عدم تركه إلا بالدم والقوة لأنهم على يقين أن خروجهم يعني نهاية التنظيم سياسيا وربما اجتماعيا وأن ذلك الخروج سيكون بمثابة ضربة قاضية توجه للتنظيم الذي كشف ضعفه السياسي في أقل من عام من الحكم وكشف تلهفه لإقصاء الآخرين بسرعة تفوق سرعته في الوصول إلى الحكم وهي السرعة التي أصبحت أسبابها ومن كان وراءها معروفة للجميع.
الطبقة الحاكمة العربية لم تصل إلى فهم حقيقة الشارع لأنها لا تفهم ذلك الشارع وتضع الحواجز المتعددة بينها وبينه بمجرد الجلوس على تلك الكراسي الوثيرة وتبدأ في تلبس الحكمة والمعرفة المزيفة والعلو عن الآخر والتصغير لكل من يعترض عليها أو يخالفها وتعتقد أنها تعي ما لا يعيه الآخر وتفهم ما لا يفهمه الغير وتعرف أمورا بعيدة عن إدراك الشعب (الجاهل في نظرها) وترى ما لا يراه غيرها (كما يقال في المثل) لذلك تبدأ تلك الطبقة في الابتعاد عن نبض الشارع وتتوهم العدائية من الآخرين حيالها مما يدفع بها لتبني ردة فعل عدائية في مواجهة كل من يعارض نهجها ويطالب بالإصلاح وتبتعد عن القانون الذي يجب أن يكون الحكم بين الجميع ويحقق الإرادة الشعبية.
هذه الصورة شاهدناها كثيرا طوال العقود الماضية في علاقة النظام العربي بالشعب العربي ونراها حاليا في علاقة النظام السوري بالشعب العربي السوري وتبعه النظام المصري الحالي والسابق بالشعب العربي المصري وكان بالإمكان تلافي كل الدماء التي سالت على الأرض العربية لو أن النظام العربي أزاح الغطاء وكسر الحواجز والسدود وحاول فهم المطلوب واستجاب لتوجهات ورغبات الشارع المحلي ورضخ للكثير من المبادرات التي طرحت طوال الفترة الماضية لحل الإشكالات التي يضعها النظام نفسه ولكن الغباء المهيمن على الفكر النظامي العربي وليس العناد عند النظام كما يراد أن يوحى هو السبب في ما يحدث... والله اعلم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية