كثير من الأحداث تمر بهدوء كما هو حال يوم الخامس عشر ما مايو الذي مر علينا منذ أيام وكأنه يوم عادي كباقي الأيام مع أنه يوم فاصل في تاريخ امتنا العربية الإسلامية، وقيمة أي ذكرى تمر تنطلق من البشر وحالهم وكيف يفكرون وما هي أولوياتهم في تلك اللحظة، لذلك تكون أحيانا الذكرى صاخبة ويتفاعل معها الجميع ويحتفل بها في كل صوب وحدب وتعلو معها الشعارات الرنانة وأحيانا أخرى تمر نفس الذكرى في عام آخر ولكن لا يوجد من يهتم ولا من يحتفل ولا من يتحدث عنها حتى مع أن الشعب هو نفس الشعب والذكرى هي ذاتها ولكن الظروف مختلفة والمعطيات متغيرة مما يجعل من هذه الذكرى تأتي في آخر سلم الأولويات بعد أن كانت في قمته قبل ذلك ويمكن أن تعود إلى القمة مستقبلا لو تغيرت الظروف وتبدل التفكير الناتج عنها.
هذا ما أصاب ذكرى اغتصاب فلسطين العربية منذ (65) عاما حين تم إعلان الدولة اليهودية على أرض عربية وطرد أهلها منها ليسكنها مهاجرون من كافة أصقاع الأرض وكأنهم أتوا إلى جزيرة مهجورة لا راع لها ولا مالك، هذه الذكرى لم تكن لتمر مرور الكرام دون صوت أو فعل يعيد إلى الذاكرة الحديثة والبكر موقع فلسطين في تاريخ الأمة والصراع الطويل الذي دار حولها وبسببها وداخلها ولقرون طويلة بين أصحابها من العرب المسلمين والغزاة الذين أتوا من كل حدب وصوب يريدون الاستيلاء عليها فيغنموا منها سنوات فقط ثم يتم طردهم منها وتعود إلى حضن أمتها من جديد، ولكن هذه الذكرى بدأت تتخلى عن مركزها الأعلى لتحل بدلا منها أمور وضعت عمدا على طريق الذاكرة لتزيح فلسطين (مؤقتا) من طريق الذكريات المهمة أو حتى التذكر لأن ما هو موجود يعلو (عند البعض) تلك الأهمية التي تحتلها فلسطين العربية.
هل يمكن أن نطلب من الشعب العربي في تونس مثلا الحديث أو الاحتفال أو التنديد بالعدو الصهيوني في هذه الذكرى وهو لاه بما عنده من مشاكل التحول ومحاولة سيطرة جهة واحدة على النتائج التي أثمرت عنها ثورته، أو هل تطالب الشعب الليبي الذي يعيش دوامة صنعها له التدخل الغربي في ثورته وأغرق سوقها بالسلاح الذي مزق تلك البلاد وحولها من دولة إلى دويلات تحكمها مليشيات تتحكم في كل أمر تنفيذي أو حتى تشريعي بعيدا عن إرادة الشعب العربي الليبي، فهل يمكن لشعب هذه حاله اليوم أن ينظر إلى أبعد مما يعانيه أو يريد تغيير أهداف حركته اليومية التي لا أعتقد أن تتجاوز ليس حدود بلده ولكن ربما حدود المدن التي يعيش داخلها.
والشعب العربي في مصر وهو الذي امسك بالقضية كما لم يمسك بها قطر او شعب عربي وحافظ عليها وحضنها سنون طويلة وقدم من اجلها الآلاف من الشهداء ولكن ما أعقب ثورته وحتى الآن جعله يعيش في دوامة لا نهاية لها وشغله عن هموم أمته وليس فلسطين فقط. أما الشعب العربي السوري فذلك أمر آخر والخشية عليه مما هو قادم أكبر مما هو عليه الآن بعد أن تم خلط الأوراق على أرضه وتغييب الفعل الثوري الحقيقي واستبداله بأمر آخر لا علاقة له بالثورة عن طريق التدخلات اللامحدودة في شان تلك الثورة وأضحى الشعب هو الضحية عند مختلف الأطراف ولا ناصر له إلا الله وقد قالها الشعب منذ أكثر من عام في شعار مسيرته (ما لنا غيرك يا الله)، هذا الشعب المطحون كيف يمكن له أن يتذكر الخامس عشر من مايو في ظل بحثه الدائم عن مخرج من حالته التي هو عليها اليوم... بالطبع ذلك أمر صعب إن لم يكن مستحيلا.
هذا دفع بالكثيرين من هواة الحديث عن المؤامرات إلى النظر بعين أخرى للحركة الجماهيرية العربية التي بدأت مع نهاية 2010 ومازالت مستمرة إلى الآن بعد أن أسقطت أعتا الأنظمة العربية أمنيا، هل كانت تلك الحركة مدبرة مسبقا وتم استغلال حالة الفوران التي يعيشها الشعب العربي من أجل إعادة ترتيب الأوضاع بما يحطم من إرادة هذه الأمة ويقيد حركتها وإرادتها لتعيش في دوامة مستمرة تعيقها عن تأدية دورها المطلوب تجاه قضيتها الكبرى فلسطين وتعطي العدو الصهيوني عقودا من المن والاستقرار الذي يريد لمزيد من ابتلاع الأرض وإنهاء القضية، أم ان الحركة كانت طبيعية وشعبية ولكن تم تحويلها بعد ذلك والاستيلاء عليها من قبل من لم يكن جزءا منها في الأساس مما دفع الشعب أو الجمهور إلى مواصلة الحركة الثورية التي يمكن أن تعيقه عن التفكير في خارج حدوده القطرية... الله أعلم.