قرأتُ الأحاديث التي سأسردها بعد قليل منذ حوالي 25 سنة من كتاب “عالم الملائكة الأبرار” للشيخ عمر الأشقر رحمه الله تعالى، وأذكر حينها أنني توقفتُ عندها طويلا، واسترجعتُ على أساسها أحداثا كثيرة، ثم رحت أقيسُ ما يجدّ من أُمور.
عن ابن مسعودٍ رضي اللهُ عنه قال: “قال رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإيّاي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير”. “صحيح مسلم رحمه الله تعالى”.
ويُروى عنه أيضا أن رسول الله وضّح أيضا مهمة هذين القرينين فقال: “إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأمّا لمة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، وأمّا لمة الملك، فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد من ذلك شيئا فليعلم أنّه من الله، وليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان الرجيم. ثم قرأ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} “البقرة 268”.
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا أوى الإنسان إلى فراشه، ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: “اختم بخير”، ويقول الشيطان: “اختم بشر”، فإذا ذكر الله حتى يغلبه – يعني النوم – طرد الملك الشيطان وبات يكلؤه، فإذا استيقظ ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: “افتح بخير”، ويقول الشيطان: “افتح بشر”، فإن قال الحمد لله الذي أحيا نفسي بعدما أماتها.. الخ ، طرد الملك الشيطان وظل يكلؤه”.
هذه الأحاديث وما في معناها يؤكدها قول الله تعالى: “قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ” “سورة ق 27”، وقد نقل ابن كثير رحمه الله عن اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَغَيْرهمْ أن هذا القرين الشَّيْطَان الَّذِي وُكِّلَ بِهِ.
الشيطان إذا يوسوس للإنسان، ونفس الإنسان توسوس له كذلك، ومن عدل الله تعالى ورحمته أن قيّض ملكا أو أكثر يوحون له ويحركون بواعث الخير في نفسه، كما يحرك الشيطان بواعث الشر فيها.
كما أعطى الله تعالى من رحمته الأفضلية والأولوية للملك على الشيطان في الحث على الخير، وعليه يكون الخاطر الأول في نفس الإنسان هو خاطر الملك الكريم، فإن تجاهله، جاءه خاطر الشيطان، ولو أن كل واحد منا راجع نفسه، وانتبه لما يعتريه من خواطر مختلفة لتبين له ذلك.
هذه الأحاديث وأمثالها فيها لفتة مهمة، وهي أن الإنسان يتأثر بمن يصاحب، فإن صاحب الأخيار والصالحين والعدول والناجحين؛ تأثر من خيرهم وصلاحهم ونجاحهم، وإن صاحب الأشرار والفاسدين والفاشلين والمبتدعة؛ تأثر من شرهم وفسادهم وفشلهم وظلمهم وبدعهم.
لهذا حثنا النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم على مصاحبة الصالحين ومنهم الملائكة، وحرص على تبيان ما يقرّب الملائكة منّا، والتنبيه على ما يبعدها عنّا، فإن الملائكة لا تأمر إلا بالخير، ولهذا كان النبي محمد وهو أجود الناس عموما، يزداد جوده حين يلقاه جبريل، فللرسول أجود بالخير من الريح المرسلة.
وقال الشاعر في فضل الصحبة:
عَاشِرْ أَخَا الدِّينِ كَيْ تَحْظَى بِصُحْبَتِهِ ** فالطَّبْعُ مُكْتَسَبٌ مِنْ كُلِّ مَصْحُوبِ
كالـــــرِّيحِ آخِذَةٌ مِمَّا تَمُرُّ بِهِ ** نَتْنًا مِن النَّتْنِ أَوْ طِيبًا مِن الطَّيْبِ.