يخّيل إلي أن المواطن البحريني لغاية اليوم لم يتأقلم مع مفهوم الحياة الديمقراطية ويفهم معناها الحقيقي، وهذا شيء طبيعي كون تجربتنا الديمقراطية حديثة العهد وعلى رأي أحدهم، مازلنا في “أ ب ت” الديمقراطية، وهذا ليس عيبا.
الديمقراطية تولد من الممارسة وتتطور خلال التجارب كاتجاه حضاري وفكري، وينخرط الناس في أروقتها بالتدرج، وهناك محاذير يجب الانتباه إليها في أي مجتمع حديث العهد بالديمقراطية، أولها الحذر من أن نكون ضحية التشنج الذي يصاحب عادة فترة الانتقال، كما ينبغي أن نحذر من المزايدة، فإذا كنا اليوم على أبواب تجربة ديمقراطية أصيلة ونعيش عهدا إصلاحيا متميزا جاء به مليك محنك وقيادة واعية، فليس معنى هذا أن يرخي بعض الناس العنان لخيالهم، ويسبقوا التجربة وحدودها، كما لا يمكن أيضا أن ينشأ عن اختصار الديمقراطية نفسها في بعض الرموز.
المشكلة الأساسية التي نعاني منها هي الاستعجال ونحن مازلنا في مرحلة التأسيس والخطوات الأولى، وقد أصبح واضحا ان المواطن سبق التجربة بكثير وتصور أن كل شيء سيتحقق له من هذه الديمقراطية، ولعلي اذكر هنا خير دليل على ذلك، هو تعامل المواطن مع الانتخابات النيابية، ففي الانتخابات الأولى اتجه أكثر المواطنين إلى انتخاب رجال الدين، متصورين أنهم وحدهم من سيحقق آمالهم ومطالبهم، وسيتحدثون بالنيابة عنهم بلسان قوي تحت قبة البرلمان، وعندما شعر المواطن بعد ذلك أن اختياره كان غير موفق، أدار البوصلة واتجه إلى انتخاب أشخاص آخرين غير رجال الدين في الانتخابات الثانية، وظل يختار ويضع ثقته في المرشحين دورة بعد دورة، ومازال يقول إن البرلمان لم يحقق له أي شيء، وهذا النائب كذا وذاك كذا، وهذا المفهوم للديمقراطية مفهوم ضيق.
حتى المرشح نفسه سيأتي عليه يوم ويستوعب المهام الحقيقية التي من الواجب القيام بها كنائب بدلا من قوالب الشعارات ومكبرات الصوت التي يطلقها، واللهث وراء الراتب المجزي والجلوس على كرسي البرلمان الوثير، فليس المواطن العادي وحده لم يتأقلم مع الحياة الديمقراطية إنما حتى النواب أنفسهم بحاجة إلى معرفة أصول اللعبة مع الحكومة وشق طريق العمل المنظم والشروع في البناء الايجابي والوعي المجرد من النوازع والعقد، ومعالجة مشاكل الناس بهدوء بعيدا عن الغرور والحذلقة.
كما ان الحكومة تنظر أيضا من جانبها إلى التحديات الجديدة وهي تعي تماما الاتجاه الذي سيحدد شكل المجتمع في المستقبل إذا تضافرت الجهود ووصل الجميع إلى مستوى الوعي الكلي للمعنى الحقيقي للديمقراطية.
نحن إذا أمام منهج مغلف بالعمل الجاد وأمام طريق جديد، ولكن للأسف هناك من يحاول القفز على المشروع الإصلاحي والحياة الديمقراطية التي أرسى دعائمها سيدي جلالة الملك المفدى، وبات يستعجل كل شيء ويلجأ إلى تعبيرات وأساليب لا تخدم المجتمع إطلاقا. هناك نوايا طيبة وأخرى سيئة، وهناك انحرافات وتخلف وجمود، وهناك رغبة صادقة للعمل.
الحياة الديمقراطية بحاجة إلى التدرج، وليس إلى القفزات العشوائية والطيش، كل ما نريده هو وضع يدنا بيد سيدي جلالة الملك حفظه الله ورعاه ونحن نعيش في هذه المرحلة الخصبة المليئة بالتفاؤل.