لقد صدق أستاذي ومعلمي أحمد جمعة حينما قال في لقائه مع الزميلة الوطن “إن الشق الطائفي في البحرين لم نعرفه إلا يوم ظهرت الجمعيات السياسية، إذ برزت على الساحة جمعيات على أساس طائفي، وانه بظهور هذه الجمعيات عام 2002 بدأت الطائفية تطل برأسها في الشارع البحريني وشقت الصف الواحد وعمقت الفجوة بين الطائفتين.. وصدق أيضا حينما قال: “انه في الثمانينات كانت البلد تعيش حالة احتقان سياسي وعمت حينها الإضرابات العفوية البعيدة عن التخريب، ولا تجد ما يحصل اليوم من تخريب وتكسير واعتداء على ممتلكات الغير والخروج عن لغة الاحتجاج القانونية... ما يحصل اليوم من عمل سياسي لا يمت للسياسة بصلة”.
لسنا في سبيل تحليل ما قاله احمد جمعة ولكنه واقع معاش، إذ لا يمكن أن نطلق على هؤلاء المشتغلين بالسياسة في تلك الجمعيات المبنية أصلا على أساس طائفي أنهم مثال للعمل الوطني الحقيقي النابع من حب الوطن وقيادته، بل أثبتوا بوضوح قاطع مدى فشل وتعفن برامجهم الفوضوية القائمة على تسعير العداء الطائفي الذي أوصلنا إلى حد الفتنة والتنافر بين أبناء البلد الواحد، وسعوا جاهدين ومنذ العام 2002 الى الانقسام والتكتل الطائفي وضرب أي عمل يتعلق بالمصلحة الوطنية وبأي تحرك وطني حقيقي يخدم نفس الغايات.
يطلقون على أنفسهم “الوطنيون” وهم يعتنقون سياسة التخريب والهدم، إنهم جماعة أو تيار ألغى من حسابه حب البحرين وقاموا بانحرافات خطيرة هددت سلامة المجتمع وأهله وجاءوا إلينا بمصطلحات غريبة.
جمعيات سياسية طائفية اختارت تمزيق البلد والتناحر الداخلي كهدف رئيس من مراجعها الذين يبررون الإرهاب والتخريب ومازالوا.
إنها جمعيات أشبه بالقشرة الضارة التي تدخر في أعماقها غلوا عنصريا، وهي ليست إلا امتدادا للعنصرية والعصبية التي تعتبر اشد الأخطار على جسم الوطن.
عملهم وأسلوبهم مكشوف وواضح وهو أسلوب الغطرسة الذي لا يقوم به إلا قصيرو النظر والمهووسون بسكرة الانقلاب والتخريب، واستخدموا أساليب المد والجزر وغيبوا كل القوانين المتعارف عليها في أبجديات السياسة.. فلا إيمان بمصلحة الوطن ولا إيمان بمصلحة الجميع فوق الجميع وفوق المطامع والأهواء.
الوفاق نموذجا... سعت وبكل وقاحة لتدويل الأزمة وافتعال بدعة “التطهير العرقي لإخواننا وشركائنا في الوطن أبناء الطائفة الشيعية الكريمة” المزعوم لتبرير التدخل الإيراني وضرب السلم الأهلي، ومازالت تسعى في هوس وجنون لجر البلاد إلى حرب أهلية طاحنة، ولغاية اليوم يعسكر فطاحلها أمام أبواب الأميركان “سفارات.. بيوت سفراء.. جمعيات” لإعطائهم التطمينات والضمانات لتنفيذ مطالبهم الانقلابية.
إنها جمعية سياسية طائفية لا تتورع عن اللجوء إلى أية جهة حتى لو كانت “بلدا عدوا” لتثبيت مواقعها المنهارة!.
ولن نأتي بالجديد عن بقية الجمعيات “بنات الوفاق”.. فواحدة باعت نضال المؤسسين من أولئك الرجال الوطنيين التقدميين المستنيرين الذين كان لهم أثرا كبيرا في الحركة الوطنية والنضالية، رجال عظام ووطنيون بحق أنجبهم هذا الوطن وسيظل يذكرهم بفخر واعتزاز.. باعت التاريخ التقدمي بعد ان نخر سوس الوفاق في جسدها وتمكن منها وحولها من صرح تقدمي ديمقراطي مستنير إلى صف لتلقي تعاليم الولي الفقيه واتباع نهجه، ولم يبق لهذا الكيان إلا الشعارات الزائفة التي تخرج من أفواه وفاقية الهوى والمزاج!.
أما الأخرى فقد انتكس فيها العمل السياسي الحقيقي ولم يعد كبار القوم فيها ممن حملوا الأمانة من المؤسسين يمتلكون رؤية وطنية حقيقية يستطيعون من خلالها فهم الأبعاد الوطنية المهمة بعد أن تحركوا ضمن مخطط الراديكاليين بوعي منهم أو بدون وعي.
إن الأزمة إذا ليست أزمة سياسية وأزمة مطالب وحريات وعدالة كما يروجون، بل أزمة جمعيات سياسية ثبت تقصيرها وتقاعسها عن القيام بالنشاط الذي وجدت من اجله وأساءت للوطن كثيرا.. أزمة مشروع خطير اسمه جمعيات تتلقى أوامرها من الخارج!.