إن طلب أوباما تأجيل التصويت على توجيه ضربة للنظام السوري كان متوقعا على الاقل بالنسبة لي، فالتوازنات الدولية لم تكن في صالح اميركا، حيث لم تستطع أن تقنع دول اوروبية مهمة بمساندتها، فأوروبا اليوم تختلف عنها قبل عشر سنوات، اوروبا التي وصفها جورج بوش الابن بالعجوز وقد قصد بها فرنسا وبريطانيا اللتين تحاولان اللحاق بتغيرات الزمن وحجز مكان لهما في المقدمة، وقد فشلتا في اقناع شعوبهما في خوض حرب مجهولة العواقب سياسيا واقتصاديا وعسكريا، مما يهدد الأمن القومي لهما من ناحية ومن ناحية اخرى حسابات البقاء في السلطة للحزب الحاكم لها اولوية في كل قراراته وقد يكون قرار الدخول في المجهول مع اميركا مقابل روسيا والصين قرارا يكلف كثيرا على المستوى السياسي الخاص، وقد يصل لأن يكلفهما مكانتهما الدولية التي يسعيان لتثبيتها في عالم متحرك اصبحت دول اوروبية اخرى تمسك زمام الأمور في المنظومة الاوروبية، دول ترى انها ليست بحاجة لتكون ذيلا لأميركا وتحرص على استقلالية قراراتها التي دائما ما تراعي فيها حقوق الإنسان والقوانين الدولية في الدرجة الاولى.
وعليه فقدت اميركا عمليا اقوى حلفائها القادرين على خوض الحرب معها عسكريا، امام حلفاء آخرين لا يمكن الاعتماد عليهم لأنهم ببساطة لا يملكون اية قدرة عسكرية رغم ضغوطهم الهائلة لبدء الحرب وتمويلها. من جهة اخرى موقف الكيان الصهيوني من الضربة العسكرية، وهو موقف متخوف فالدولة العبرية كانت تعاني من عدم الاستقرار امنيا واستراتيجيا وهي محاطة بدول ممانعة تشكل تهديدا مستمرا لأمنها القومي، ورغم الدخول في اتفاقيات سلام مع بعض هذه الدول وتحييدها عسكريا، إلا أن وقوف سوريا وإيران مع حزب الله الذي يمثل العدو الأول لها، جعلها تتردد في تأييد الضربة العسكرية في الوقت الراهن، قياسا بتجاربها السابقة التي فشلت فيها على جبهة واحدة ضيقة مع حزب الله.
فلو جاءت هذه الضربة قبل دخول سوريا في حربها المحرمة لكانت في صالح الدولة العبرية لأنها ستدمر قدرات حزب الله العسكرية وتحيد إيران، اما المرحلة الحالية فالأوراق اصبحت غير واضحة والدخول في حرب مع الدعم الروسي والحياد الايجابي الصيني وعدم قدرة حتى اميركا على السيطرة الكاملة على قوى المعارضة في الداخل السوري يزيد من مخاطر الضربة عليها، فمن المتوقع ان تتسع الضربة وتتحول لحرب طاحنة لن تهدد الأمن القومي للكيان بل ستهدد بقاءه كدولة، لذلك شهدنا الهلع بين مواطنيها الذين تكالبوا على الكمامات الواقية من الغازات السامة، وبروز الاستياء لعدم جهوزية الملاجئ وكفايتها.
في ظل كل هذه التداعيات ذهب الرئيس اوباما الى اجتماع دول العشرين لمحاولة اخيرة ومستميتة في وقوف الدول الأوروبية مع قرار الضربة إلا انه فشل مما اضطره للجلوس مع الرئيس الروسي بوتن لإيجاد مخرج من الازمة إعلاميا وسياسيا، فكان اقتراح الرئيس أوباما بتدمير الترسانة الكيميائية السورية لوقف الضربة، وتبنت روسيا المقترح ووافقت سوريا عليه خلال ساعتين بوجود المعلم في سوريا في ذات الوقت. فرغم كل الضجيج الاعلامي إلا ان سوريا تعي جيدا كما يعي حلفاؤها ان الضربة ستشل اكثر من 80 % من قدرات النظام السوري القتالية.
كما ان روسيا ايضا تعي مخاطر الدخول في نزاع مع اميركا ولا تريد ان تتخلى في ذات الوقت عن سوريا، حيث تشكل سوريا آخر معقل للوجود الروسي في المنطقة. كما ان إيران ايضا تعي مخاطر جرها لحرب قد تدمر كل ما بنته في السنوات الأخيرة لتكون المهيمن الاول على المنطقة والمؤثر في سياساتها وما سيترتب عليه من مخاطر على برنامجها النووي.
لقد كان لتوازن القوى الدور الاول في وقف الضربة على سوريا ولكن سيظل شبح الحرب مهيمنا عليها حتى تنتهي حربها المدمرة.