العدد 1768
السبت 17 أغسطس 2013
جنون صراع الطوائف زينب الدرازي
زينب الدرازي
السبت 17 أغسطس 2013

 

قد لا يكون غريبا أن ننظر إلى البعيد إلى تلك الجزر التي تقع إلى جنوب الهند، ونقصد بالطبع سيريلانكا ذلك الأرخبيل من الجزر الذي اشترك معنا في التاريخ فقد عرفها البحارة العرب “بسرنديب” التي كانت منفى للشاعر العربي الكبير أحمد شوقي، وبعض قادة هيئة الاتحاد الوطني ايام الاستعمار البريطاني للبحرين، وقد كانت قاعدة مهمة للحلفاء اثناء الحرب العالمية الثانية، بينما صارت التسمية الرسمية لسيريلانكا هي جمهورية سيريلانكا الديمقراطية الاشتراكية التي كانت قبل هذا تسمى “سيلان” حتى استقلالها عام 1948م. 

وسيريلانكا كدولة عانت من ويلات الحرب التي كانت تشنها حركة “نمور التاميل” ضد النظام في سيرلانكا منذ عام 1982 حتى 2001، وتقوم تلك الحركة الانفصالية على اساس عرقي يتضح من التسمية لكثافة وجود التاميل في شمال وشرق الجزيرة، فسيريلانكا يقطنها خليط من السنهاليز الأغلبية والتاميل كأكبر اقلية والبور والماليه، بينما تشتهر سيريلانكا بكونها من اقدم المواطن للبوذية عبر شرق آسيا وإلى جانبها تقوم فئات تعتنق الهندوسية والمسيحية والاسلام. 

واليوم تظهر سيريلانكا على خارطة الأحداث نتيجة للصدامات التي تقوم بين طوائف المجتمع، والتهديدات التي تقوم بها جماعة الـ (بودو بالاسنا) البوذية المتطرفة، التي أحرقت بعض المساجد، وهددت بتحطيم محال المسلمين واعتدت على بعضها، وشنت حملات إلكترونية لمقاطعة تجارتهم، ودعت إلى عدم التعامل معهم وإبادتهم أو طردهم من الجزيرة نهائيا بينما حذر كثير من المنظمات الدولية العاملة في المجالات الإنسانية، من وقوع أحداث عنفٍ عنصرية جديدة، بينما قام الرهبان البوذيون السريلانكيون المتشددون مؤخرا بمظاهرات احتجاجية حاشدة تطالب بإزالة عدد من المساجد، ومنها مسجد حي (ماوات وأويا) من منطقة (أنور اذابورا)، وكذلك تعديهم بالحرق على بعض دور تحفيظ القرآن الكريم، بحجة أن إنشاء بعضها غير قانوني، وقيامهم بحرق مسجدين منها حادثة عيد الأضحى المبارك الماضي الشهيرة، بداعي أن المسجد يقوم بذبح الحيوانات واعتبرت جهاتٌ دولية أن تلك الممارسات إرهاصات لبداية أحداث عنف جديدة ضد المسلمين السريلانكيين، على حدِّ وصفها.

ويبدو للمتتبع لما يدور في المجتمع السريلانكي انتشار حملات عنصرية إلكترونية ترافقها هتافات وشعارات عدائية من الأغلبية البوذية، ضد الأقلية المسلمة في سريلانكا، انطلقت من مدينة (بادولا) بمحافظة (أووا)، وانتشرت في مختلف المناطق ولا تزال تتفاعل في مختلف أنحاء سريلانكا، مثل مدينتَي (جامبلا)، و(كاندي) الرئيستين وغيرهما، وهذه الحملات تدعو عبر النشرات، واللافتات ومظاهرات الاحتجاج، والرسائل القصيرة وغيرها، إلى مقاطعة المسلمين اقتصادياً وعدم الشراء من محالهم، وعدم بيع الأراضي والممتلكات لهم، وعدم العمل لديهم، ما أدى إلى إفلاس عدد منهم، مع تصويرهم على أنهم إرهابيون وطغاة وقساة القلوب، وتكريس التخوف من سيطرة المسلمين على سريلانكا، بسبب تزايدهم السكاني.

نلاحظ من التقارير الدولية ومن المعارف المتداولة، ان البوذيين المتطرفين يقومون بحرق المساجد بحجة انها تقوم بقتل الحيوانات بينما تطالب هي بإبادة المسلمين، وذلك تناقض ما بعده تناقض في الحفاظ على حياة الحيوانات وذبح الانسان، بينما البوذية في الاصل تدعو إلى انه من حق كل اشكال الحياة بالوجود، وتقوم الجماعات البوذية المتشددة من اطلاق مخاوف الناس من تزايد عدد المسلمين وسيطرتهم على الجزيرة، تلك المخاوف التي تعتبر ضمن اللعبة السياسية منبعا من منابع مصادرة الحرية وحق الحياة، وذلك بإقناع الناس بأنه يمثل الخير وبالتالي سيكون سيكولوجيا من المقبول أن تقع خسائر في الارواح والممتلكات باعتباره يقع على الطرف الذي يمثل الشر، بينما تنتهك بذلك قواعد حقوق الانسان، وتخرج سيريلانكا من حرب انفصالية إلى احتمال فوضى صراع الطوائف المجنون.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .