العدد 1726
السبت 06 يوليو 2013
ضد الآيديولوجيا زينب الدرازي
زينب الدرازي
السبت 06 يوليو 2013

يقال إن الجوع والحرية ما أخرج الفرنسيين من منازلهم في ثورة غيرت مجرى التاريخ، ويقال ان التقاتل على السلطة والثروة والنفوذ هو الذي ادى إلى تمرد اللوردات على ملك انجلترا وقلب نظام الحكم وتحولت انجلترا إلى اعرق دولة برلمانية ديمقراطية. ويؤرخ أن الأميركان قادوا حرب تحرير عنيفة ضد الانجليز من أجل الحرية والاستقلال وحماية العقيدة الدينية. وهكذا لكل شعب اهدافه وغاياته الخاصة به من ثوراته ضد مستبديه. ورغم كل النظريات الاجتماعية والفلسفية والتاريخية التي تحاول تحديد السبب في عامل واحد للثورات، إلا ان ثورات الشعوب عندما تنطلق تدهش الجميع ويعجز كل المحللين عن تحديد اسبابها. 

قامت الثورة المصرية في 25 يناير لتدهش العالم بقوتها وإصرارها حتى اصبحت عاملا ودافعا لثورات اخرى في المنطقة، وخرجت التحليلات والتفسيرات السياسية والاجتماعية والحقوقية لتفسير سبب الثورة والعوامل التي ادت إليها... الخ. ولكن الشعب المصري حسم كل ذلك بهتافاته “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” وبذلك حسم مسألة التفكير في عامل واحد. لقد تغير الزمن واذا كانت التكنولوجيا قد تطورت واصبحت متعددة الاستعمالات وتقوم بوظائف لم يكن الإنسان يحلم بها، فكذلك الحاجات الإنسانية تنمو وتكبر وتتنوع، فإذا كانت لقمة العيش هي العامل الحاسم سابقا في الثورات، اصبحت العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وحرية الرأي والتنمية المستدامة والمواطنة المتساوية ومحاربة الفساد من اهم عناصر قيام الثورات في وقتنا الحاضر. 

واليوم تستكمل مصر ثورتها، فتخرج الجماهير مطالبة بالتغيير، لان عنصرا مهما من عناصر ثورتها لم يكتمل ألا وهو القضاء على الاستبداد، والاستبداد اليوم لا يتعلق فقط بالتفرد بالسلطة او التمسك بها، فحتى هذا المفهوم تغير وتحول وأصبح الاستبداد هو استبداد الفكر والآيديولوجيا. لقد مرت البشرية في تطورها بالعديد من اشكال الحكم منذ قيام المدنية الاولى، فمن حكم الطاغية إلى حكم الطغمة في دولة المدينة، ليتطور إلى الملكية الوراثية وصولا للملكية المنتخبة المستبدة لتتحول مع الوقت إلى ملكية برلمانية وجمهوريات إلى آخر التسميات المعبرة عن اشكال متنوعة من الانظمة السياسية عبر العصور. وحكمت كل هذه الانظمة فكرة واحدة او ما يطلق عليها اليوم الآيديولوجيا، فكل نظام يأتي عبر فلسفة وآيديولوجيا تمهد له ويقوم عليها، ولعل احدث هذه النظريات هي النظرية الماركسية والاسلام السياسي والبعث العربي وغيرها من الأفكار التي تقصي الآخر لأنها تؤمن بأنها تمتلك الحل لكل مشكلات المجتمع، وبالتالي تحول الدولة إلى حزب سياسي آيديولوجي تتحكم فيه الأقلية بالأغلبية بشكل مسستبد، بعيدا عن الديمقراطية وحكم الشعب. اليوم الشعب المصري ولعله اول الشعوب العربية التي تنهض وتثور ضد مفهوم الآيديولوجيا التي تكبل قدرات الشعب وتسلبه حريته لصالح طيف سياسي واحد. 

لقد خرج الشعب المصري بثورة 25 يناير من 40 سنة من حكم الحزب الواحد والفكر الواحد ليقع في مصيدة الاخوان الذين كما يبدوا لم يتعلموا من التاريخ ومن الثورات التي اقتلعت عروشا وطغاة ورمتهم في مزبلة التاريخ. 

اليوم يقف الشعب المصري ليصحح المسار ليقول ان الثورة هي لخلق مفهوم جديد للحكم، حكم الشعب للشعب، مفهوم يقوم على اللاآيديولوجيا، يقوم على المشاركة السياسية لكل الاطياف في الحكم حتى تكون جميع اطياف المجتمع السياسية ممثلة في السلطة السياسية، فهذه الأطياف هي من تعبر عن جميع فئات وشرائح المجتمع المصري وبالتالي قادرة على ايصال مطالبه ورؤيته في إدارة دولته.

“إذا عرفت دكتاتورا واحدا فقد عرفت كل الحكام المستبدين لأنهم جميعهم واحد” الكاتب الأسباني جوي تيسوللو.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية