لقد تشكل وعينا على ان تكون القوى السياسية المعارضة لسلطة الدولة الاستبدادية، بشكل سلمي هي ما يهدد الأمن والسلم الاجتماعي ويتخذ ضدها كل انواع العقاب سواء بالقانون او بغيره. اليوم خاصة هذه الفترة اتسعت وتيرة الحديث عن الأمن القومي وحمايته ليس من الدول التي تعودنا عليها ولكن من الدول التي كان ولا يزال ينظر إليها على أنها نموذج الديمقراطية والفكر الحر.
ويشكل مفهوم الأمن القومي في وعي المواطن كل ما يتعلق بالأفعال العسكرية الخارجية التي تؤثر على أمن الدولة واستقرارها ورفاهية شعوبها، سواء كانت هذه الأفعال ناتجة عن فعل سياسي داخلي ام فعل سياسي خارجي، والذي يكون غالبا انعكاسا لصراعات الدول السياسية والثقافية والاقتصادية والتكنولوجية التي تؤثر على اهم عناصر الأمن القومي المتمثلة في الأمن الغدائي والأمن المائي والأمن العسكري وتأمين مصادر الطاقة. بمعنى ان الأمن القومي هو قدرة السلطة السياسية في الحفاظ على سيادة الدولة ومكتسباتها، والذي يختصر في استخدام القوة العسكرية لحماية مصالح الدولة الحيوية ضد اي تهديد خارجي. إلا ان مفهوم الأمن القومي توسع في وقتنا الحاضر ولم يعد ينحصر في حماية الدولة من أي عدوان خارجي يقع عليها، بل توسع ليشمل حماية كل ما تقوم عليه الدولة من قيم حضارية وثقافية وإنسانية تقود لتحقيق أمن المواطن ورفاهيته. يعرف هنري كسنجر الأمن القومي بأنه “التصرفات، التي يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء”. وفي سياق كل هذه التعريفات نفترض ان تكون الدولة ملزمة بحماية حدود الدولة وسيادتها كما هي ملزمة بحماية أمن الفرد وحرياته العامة وخصوصيته وأن تكفل له حياة كريمة من خلال توظيف كل مقدرات الدولة لعملية التنمية المستدامة. ولا تبدو هذه العملية شيئا خارقا لوعي المواطن العربي الذي تعود على كبح الحريات واغتيال الاحلام باسم القانون والأمن والمصلحة العامة. ولكن ما يثير الرعب هو عندما تنجرف دول لها تاريخ عريق في تقديس حرية الفرد وخصوصيته فتنحدر الى مستوى الدول المستبدة في تقييد الحريات وإن بشكل غير مباشر وباسم الأمن القومي ومصلحة البلاد العامة. ولعل الفضيحة التي أثارها عضو المخابرات الأميركية المطارد اليوم لنشرة قيام الحكومة الأميركية بالتجسس على البريد الإلكتروني للمواطنين الأميركيين أو الأوروبيين ضمن قانون برنامج مراقبة التسجيلات الهاتفية الأميركية وبيانات الإنترنت في الخارج. هذه الحادثة اثارت معضلة أخلاقية لدولة هي الأقوى في العالم، تنتهك الحريات العامة بكل البرود الإنجليزي المعروف، وعوضا عن الاعتذار تأخذ العالم في دوامة من مطاردة جاسوسية للمواطن في كل مطارات العالم متهمة إياه بتعريض أمن أميركا القومي للخطر. فيتحول المواطن من مواطن يحمي الحريات العامة الي مسجل خطر. ما نراه اليوم وباسم الأمن القومي تنتهك الحريات العامة وتهدم اسس الدولة المدنية من خلال حزمة من القوانين المعيقة لعملية التنمية بتنوعها الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
بناء على ما سبق نتساءل هل اصبح مفهوم الأمن القومي يشكل معضلة أخلاقية واختراقا فاضحا لخصوصيات الأفراد وحقوقهم العامة في الوقت الراهن!. وهذا التساؤل ينبع من عملية التحول المثيرة في العالم الديمقراطي الذي اصبح شبح الأمن القومي يسيطر عليه بحيث اصبح يرى أن القوانين الحامية للأفراد وحرياتهم العامة تشكل عائقا أمام أمنه واستقراره. وهل سيكون المجتمع الديمقراطي قادرا على حفظ التوازن بين جمع المعلومات وشعور الناس بالأمان الذي يفترض ان يوفره النظام الديمقراطي.