كانت الشهية السياسية لحركات ومشاريع في المنطقة مند ستينات القرن، تتوحم على هدم كل منجزات الدولة البحرينية، البعض كان يراهن على الدعم الشيوعي حتى فشل، ثم أوقد حريق آخر هو المشروع الناصري، فشلت كل المحاولات. تكسرت صحون، اندلقت قناني، وسقططت شقق أيديولوجية وبقيت البحرين بنضارتها.
عضلات الشعارات الماركسية لم تستطع إسقاط حجرة واحدة من شرعية الحكم أو تخدش ثابتة وطنية واحدة، تفجرت إيران بثورة، وراحت تطلق رصاص التهديد بتصدير (ثورة الخلاص) في منطقة الخليج، ولكن متانة الحكم في البحرين وقوة الشعب حالا دون دخول أي رياح خارجية للنافذة البحرينية.
المشروعات كانت تكرر ذات الأسطوانة الثورية، أنْ لا انجاز ملحوظ في البحرين، وأن البحرين مجرد كومة غبار، إلا أنها فشلت في إقناع ذاتها فضلا عن اختراق قناعة العالم بهذه الدولة الصغيرة.
وكان العالم يسأل سؤالا معرفيا، وماذا لو دعاة النزاهة الثورية من ماركسيين أو قوميين أو إسلاميين حكموا؟ فهل يمتلكون خلطة سحرية، وبلورة خارقة لحل أي مشكلة عالقة برداء السلطة؟ من يعجز عن إدارة مزرعة دواجن، كيف له أن يقود شعوبا؟ ولنا مثال في تجارب من حكموا سابقا أو الآن بعد (الربيع العربي!). فلا عهد عبدالناصر ولا الاتحاد السوفيتي ولا الحكم الإيراني خالية من التقيح الأيديولوجي والأمراض المزمنة أو المشاكل، بل هي أكثر الأنظمة تجويعا وبطشا وفسادا بشعوبها وإنْ عجنت خطاباتها بمئذنة جامع أو قطعة قماش حمراء أو استخدمت حبوب منع الفساد.
إذًا الحل بالواقعية السياسية والتصالح مع الأنظمة الحالية بدعم الثوابت الوطنية وحل قضايا المواطنين خصوصا بعد رداءة أداء الأيديولوجيين.
بحرينيا يعد انطلاق المشروع الإصلاحي امتحانا آخر أثار غريزة وغيرة وحسد المتوحمين على لحم البحرين في الخارج، ألقيت حجارة التشكيك مرة أخرى، والمشروع للتو جنينا لم يكتمل النمو.
رغم إنجازات المشروع الإصلاحي، إلا أن تجار السياسة استأثروا توزيع النظارات السوداء على الجماهير مخافة سحب البساط وآثروا التحرش بطمأنينة الحدث وزراعة القلق بكل زاوية إصلاحية.
كبار القوم استأثروا التشكيك وإلقاء الحجارة في بئر الماء بدلا من تشجيع متبنيه حتى لو قاد كل ذلك إلى عطش الجميع، بخلوا حتى بكلمة حق منصفة للمشروع، في وقت كانت الميكروفونات هائمة ومفتونة بدول ينخر فيها سوس الأيديولوجية.
حكّم إيران ساسة ثيوقراطيون شيعة وحكم -بعد الربيع العربي- بعض دول العالم العربي ساسة ثيوقراطيون سنة، ماذا كانت المحصلة؟ فوضى وضياع وطائفية وقمع للأقليات وسكب زيوت على وجه الديمقراطية.
مصر في طريقها للموت سريريا، تونس تعاني ذبحة قلب أمنية، ليبيا بلا أكسجين أمني، سوريا جثة هامدة مخبأة في دولاب التاريخ، لبنان بدأ يظهر على جلدها طفح أمني قاتل، إيران أصبحت كمراهق حرق كل الدار بعلبة كبريت اسمها (الشو))السياسي.
يبقى سؤال مهم: هل نعي كبحرينيبن، خطورة المكابرة والانتفاخ؟ يجب أن نجلس على طاولة الحوار ولا نمنح أذننا لا لإيران ولا للأمريكان، ذئب الطائفية مازال يعوي على أبواب العالم العربي ويمنعنا من أن ننام كما يقول نزار قباني.
يجب أن ننجح حوار التوافق الوطني وأن نضع يدنا بيد الحكم وجلالة الملك ونعمل سويا لترميم أوجاع الماضي ببرهم المستقبل، بعقاقير محلية غير مهربة بأسواق سوداء غربية أو إيرانية دون الحاجة إلى كنس الأخطاء وإخفائها تحت السجادة.
لا مجال للمكابرة وسياسة عض الأصابع أو الرقص على أنغام اي مراهقة سياسية. سفينة تايتنك الطائفية انطلقت بلا مكابح، كل يوم تصطدم بجبال بلد ثلجي، وكي نسلم لابد من الوحدة الوطنية والعودة للثوابت الوطنية وعلاج الديمقراطية بديمقراطية توافقية، ما تشهده كل دول الربيع بدأت تترحم على أنظمتها السابقة التي سقطت رغم الملاحظات على أخطائها.
هل يعي الجميع أن الربيع العربي تحول إلى بعير عربي يمتطيه الغرب والنفعيون كما هي قناعتي منذ البداية.