جرت العادة أن الموتى لا يتكلمون، وإلى المحاكم لا يحضرون، وبشهاداتهم لا يدلون، أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، ولكن العلم الحديث توصل إلى تطوير علم خاص بالمقابر والجثث وبقاياهم في إنطاق الموتى، واستحضار تعابير الوجه من بقايا الجماجم وهي رميم، وقراءة صفحات لغات منقرضة لم يبق حي واحد من أهلها ينطقها، وإحياء تاريخ شعوب بادت، وقصص حضارات انهارت وغيَّبها الزمن.
لقد تم التثبت من الهيكل العظمي لـ “مارتن بورمان MARTIN-BORMAN” الرجل الثاني بعد هتلر المختفي بعد سقوط الرايخ الثالث بواسطة تطوير تقنية “حفريات الجينات PALEOGENETIC”.
كما تم التعرف على بقايا هياكل وجماجم آخر عائلة حكمت روسيا من “آل رومانوف” باستثناء جثة واحدة حيكت حولها الأساطير، عندما ادعت سيدة أنها الأميرة “أناستازيا” المفقودة التي نجت من المذبحة، حتى تم التأكد علمياً بعد وفاتها، من بقايا نسيج ورمي، محفوظ في المخبر، أنها ليست الشخصية الحقيقية. وفي السنوات القليلة الفائتة تمخضت الأحداث عن مجموعة من الهزات العلمية والفنية فقد اهتزت الأرض في صحراء بلوشستان قبل سنوات بانفجار تجريبي لخمس قنابل نووية باكستانية، ويتلمظ ملالي إيران إلى تفجير مثلها بالقرب من بحر قزوين وعبادان.
كما تم الوصول في أميركا إلى استخدام القنبلة الكيماوية “الفياجرا VIAGRA” ما سميت الماسة أو المعجزة الزرقاء. وأعلن عن مراجعة تاريخية في الفاتيكان وتم فتح الباب لدراسة أراشيف سرية في غاية الكتمان في أقبية الفاتيكان لـ 4500 ملف من فظائع محاكم التفتيش فيما يشبه “بريسترويكا” داخل الكنيسة.
وأعيد إحياء الرومانسية في فيلم غرق التيتانيك “TITANIC” بعد عاصفة فيلم المريض الإنجليزي فأحدث هزة عاطفية لغرق أعظم قصة حب، على ظهر سفينة، صممت على أن لا تغرق؛ فغرقت في أول رحلة لها من بريطانيا إلى أميركا، عندما ارتطمت بجبل جليد شارد من القطب المتجمد، فهوت إلى القاع خلال أقل من ساعتين، في مشهد درامي يروي هلوسات التكنولوجيا، ومرض الطبقية حتى في الموت؛ فمن سمح لهم بقوارب النجاة كان معظمهم من ركاب الدرجة الأولى، ولكن الفيلم سجل دراما من نوع مختلف بغرق قصة حب في لجة الاوقيانوس البارد مع نسمات السحر.
أما فيلم “المريض الإنجليزي ENGLISH PATIENT” الذي مازال يعرض فقد أخرج إلى السطح لغز الموت في الحب، وجدلية المعاناة في الحياة، وصدف الحوادث الغريبة، التي تنهي حياة الإنسان وحيداً فريداً جائعاً محطم العظام، بعيداً عمن يحب، لا يريد الموت في الصحراء، في كهف بارد مظلم، تخط صاحبتها كلمات مؤثرة قبل الموت بلحظات: انطفأ الضوء.. يا ترى كم طول النهار في الظلام.. البرد هائل.. يا الهي.. إننا نموت ولكن أغنياء بالحب، بالمذاقات الجميلة التي عشناها.. بأجسادنا التي دخلنا بها ونودعها.. والأرض الحقيقية بدون جغرافيا وحدود يرسمها رجال قساة أقوياء.
طبيعة التقدم العلمي أنه يتقدم بالجهد، وينمو بروح الفضول، واكتشاف المجهول والعشق المعرفي، ويغذى بالمال، ويفرخ في مؤسسات البحث العلمي، ويزدهر في جو حرية التفكير بدون كوابح وعوائق، ويكتشف بالصدفة والحظ كمحصلة جانبية، ويعمر بالتراكم المعرفي، ويحقق التقدم والنفع ولو بعد حين “كما في تحقيق السلام العالمي من رماد هيروشيما” وما ينفع الناس يمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال.
يمتاز العلم بالحيادية فيتسخر لمن يكشف عن قوانينه، مهما كان توجهه العقائدي والدين الذي ينتمي إليه. ولا يقدم العلم استقالته ولا يعرف التعب، ولا يملك زخمه التوقف، وكله من علم الله الواسع، الذي منح الإنسان فضلاً منه وكرماً أن يزداد علما ويرتفع به. ولا يعرف العلم “التابو” أو الحدود فيخترقها جميعاً، ويقفز فوق كل الحواجز في ناظم ذاتي خاص به؛ فينفذ إلى مفاصل السياسة، ودراسة الأديان المقارن، وإخضاع النصوص للدراسة النقدية، ويكتشف أسرار الجنس، منذ أن حلم الفلاسفة بإكسير السعادة، وينبوع الشباب، وتكلم الدين عن جنة فيها الحور العين. وشبابه لا يعرف الهرم، وتمرده لا يسلمه إلى الاستحالة أو الركون. وعلم الإنسان ما لم يعلم وكان فضل الله عليك عظيما.