العدد 1795
الجمعة 13 سبتمبر 2013
مقاصد الفلاسفة وتهافت التهافت خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 13 سبتمبر 2013

هناك من يستحق أعظم الألقاب وهي قليلة عليه، منهم (أبوحامد الغزالي) فقد سمي بحق (حجة الإسلام) ويستحقه عن جدارة.
كتب الرجل في حياته 280 كتاباً يتعجب الإنسان فيها من قدرة الإنجاز، مع أنه اعتزل الكتابة عشر سنوات، ولم يخرج بعدها إلا بكتابه (المنقذ من الضلال) و(إحياء علوم الدين) كما أنه مات صغيراً عن 55 عاماً؛ فالرجل ولد عام 450 هجرية ومات عام 505؛ وكانت في بدايات الاجتياح الصليبي للمنطقة؛ فإذا حسبناها على الميلادي فقد مات في الخمسين، فيكون بذلك قد كتب في سنوات إنتاجه الفكرية الممتدة بين العشرين والخمسين كل عام عشرة كتب ويزيد.
وكما يبدو فهذه ميزة المبدعين العباقرة في قوة الإنجاز فيبارك الله لهم في أوقاتهم، الكثيرون يسألونني كيف تجد الوقت لتكتب كل هذا؟ وعندي من النشاطات والكتابات ما أكتبه لغير هذا المنبر؛ فضلا عن أجواء العمليات الجراحية الدقيقة في إصلاح وعطب وانسداد الأوعية؛ فيكون جوابي إن المشكلة ليست في وجود الوقت بل في الاستفادة منه.
وفي كتاب الفلسفة للمبتدئين ـ وهو كتاب كندي جميل باللغة الانجليزية بحيث يمسح القارئ بسرعة وبشكل ميسر الاتجاهات الفلسفية كلها عبر التاريخ ـ وضعوا صورة كاريكاتير كيف تعرف الفيلسوف؟ قالوا: هو ذلك الشخص الماشي وهو يقرأ؟.
وأحياناً يحصل معي هذا مع أنني أعرف أنني ما أصبحت تلميذاً للفلاسفة ولا استحق غسل أقدامهم.
وأرجع للغزالي فهذا الرجل المبدع مسح الفكر المعاصر له مثل الرادار، بحيث عرض لكل المدارس الفكرية والاتجاهات التي كانت تسود عصره، وكانت أربع فرق الباطنية والفلاسفة والمتصوفة وعلماء الكلام.
يقول الغزالي عن نفسه إنه كان يستفيد من الوقت بعد أن ينتهي من تدريس طلابه فعكف ثلاث سنين بحيث مسح الفكر المعاصر له كله، وفي النهاية قام بحركة فكرية يتعجب منها المرء، مثل لو أن مفكراً اطلع على الماركسية والوجودية، ثم وضع في النهاية كتاباً ليس لنقضها بل لشرحها، بحيث تصبح مرجعاً أكاديمياً لمن يريد الاطلاع على الفكر الشيوعي والوجودي.
قريب من هذا فعل الإمام الغزالي حينما عرض فكر الفلاسفة تحت كتاب (مقاصد الفلاسفة) وهذه الخطوة تعطينا فكرة أيضاً عن مستوى النضج العقلي والتمكن من العلوم المعاصرة، وعدم الخوف من الجديد، كما يحدث معنا في هذه الأيام.
حتى إذا انتهى من هذا العرض قام بهدم المعبد على رؤوس أصحابه فكتب (تهافت الفلاسفة).
ونظرا لأثر هذا الكتاب في مجرى الفكر الإسلامي فقد نهض ابن رشد في أقصى المغرب يفند هذا الاتجاه بكتابه تهافت التهافت والكتابان احتفظ بهما في مكتبتي وهي مرحلة مهمة للاطلاع. ومعها أيضا أهم كتابين للرجلين: المنقد من الضلال للغزالي، وكتاب ابن رشد عن فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، وفي الواقع ليس من العدل والقوة أن تعرض فكر الخصم هزيلاً مضعَّفاً، ثم تقوم بالهجوم عليه، بل يجب عرضه كما يريده صاحبه تماماً.
يقول الغزالي حتى نرد على فكر ما يجب أن نطلع عليه ليس كما وصل إليه صاحبه فحسب، بل يجب أن نزيد عليه درجة؛ فنتمكن منه لأبعد الحدود، بحيث نعرضه كما لو أراد صاحبه عرضه، ثم نقوم بإظهار الفساد الذي قام عليه، هذا لو كان فاسداً.
وفي الواقع إن العمل العقلي من هذا الطراز لا نتحلى به اليوم بسبب التشدد والتعصب، وعدم النضج بسبب التردي العقلي العام الذي نعيشه.
وشرح المفكر مالك بن نبي الرحلة العقلية للإمام الغزالي وقال عنها “لقد بدأ جباراً في خطواته، ولكنه في النهاية لم ينته إلى الوضوح بل أدخلنا في الضباب حين اعتبر أن هذه لذة خاصة لمن يدخل عالم التصوف”.
يقول الغزالي انه أمام رحلة الشك وكيفية حل تناقضاتها أنها نور قذفه الله في القلب، عندما شعر أن طريق التصوف يقوم ليس على الحجج البرهانية بل (السلوك)، وهذا يقوم على تجربة شخصية بحتة وليس حججا عقلانية يمكن أن يستفيد منها كل أحد.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .