هذه المعادلة هي أعتى من معادلات الرياضيات. ومع كل سطوعها فالأعمى لا يرى ضوء الشمس. السياسيون عندنا لم يفقهوا هذا التحول في تاريخ القوة والتسلح والحرب بعد.
لذا كان من الضروي إنارة وعي القارئ بمسارات التحول، حتى يدرك أن العالم الذي نعيش فيه “اثنان وليس واحدا”: من هو على مذهب موسى ومن هو في ديانة فرعون. حين نادى في قومه فقال أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؛ ليقرر القرآن أنه استخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين.
مع تحرير أميركا لأعتى قوة في تاريخ البشر في صباح 16 يوليو من عام 1945م اندفع الاتحاد السوفييتي بكل زخمه في هذا السباق. وفي الوقت الذي أنتجت أميركا السلاح الهيدروجيني مع سطوع شمس النار النووية من جانب كازخستان في الاتحاد السوفيتي. فوصل الاتحاد السوفيتي في النهاية إلى تفجير قنبلة (الجروباتز) عام 1960 بقوة بلغت (58) ميجاطن، أي أقوى من قنبلة هيروشيما بما يزيد عن ثلاثة آلاف مرة!.
صعق البنتاغون فبدأ يخطط لقنبلة من عيار (100 ميجاطن!). عندها شعر الجميع أنها رحلة جنون مطبق، وعبث مدمر، وطريق مسدود.
سطر غورباتشوف كلمات متزنة للغاية في كتابه (البروستريكا) عن طبيعة التطور التاريخي الذي دلف إليه الإنسان، وطلب فهماً سياسيا يوازيه، يناسب هذا التطور العلمي.
وهكذا أبطلت القوة القوة. ودخل العالم السلام ليس كله بل رأسه أما ساقاه وقدماه عندنا في طين ووسخ الحروب.
وإذا كان مصير الدول والقوى التي مضت الطريق إلى الشوط الأخير ورجعت خائبة حسيرة، بعد أن لمست الجدار الصاعق الحارق، الذي لمع شواظه قبل الوصول إليه؛ فهو من باب أولى أن يكون درساً لكل من يريد أن يسلك هذا الطريق بأنه مغلق مسدود، وأن من يصر على دخوله سيتحول إلى هباب فحم يطير في الهواء. سواء في الصراعات بين الدول، أو داخل الدولة الواحدة بين المجموعات السياسية.
مع كل هذه الآيات البينات فإن هناك من لا يزال على عقيدته أن السيفَ أصدقُ انباءً من الكتب، فهو خارج التاريخ والجغرافيا، ولكن لا حرج فإنه مازال هناك أناس يعيشون على (لمبات) الكيروسين، ومازالوا يستخدمون (أصابعهم) في العدِّ، وحل مشاكلهم بالفؤوس والسكاكين.
ولكن إذا أردنا معرفة العالم الذي نعيش فيه، فينبغي أن نتأمل وجهه، فالإنسان ُيعرف بمحياه ورأسه وقسمات وجهه، وليس من عقب رجليه وأخمص قدميه؟!.
أي من حيث وصل من خلال قواه التقدمية، وطلائعه العلمية، وهكذا فالعالم الذي نعيش فيه هو عالم الكهرباء والفاكس والكمبيوتر والانترنت والرحلة إلى المريخ، الالكترونيات والروبوت والبيولوجيا الجزيئية وفك الكود الوراثي والوصول إلى الفمتو ثانية، كما هو عالم الدخول إلى السلم.
كيف نفهم الحروب إذا التي مازالت تشتعل هنا وهناك؟ الجواب إن الحروب اليوم هي حروب المتخلفين؛فالحروب اليوم توقفت بين مالكي المعرفة، لأنهم أدركوا أن وقت حل المشكلات بالقوة انتهى.
الحروب اليوم هي في عمومها حروب المتخلفين والخبثاء من مالكي السلاح والمعرفة “يشترون به ثمنا قليلا” ليس عندهم بل عندنا.
إن مصير الحرب ونهايتها ليست بيد المتخلفين بل هي مرة اخرى بيد ملاَّك المعرفة.
لقد رأت أعيننا شيئاً خلاباً حينما رأينا سقوط امبراطورية ملكت أعظم سلاح ملكته قوة في العالم، خرت صريعة إلى الأرض بدون حرب أو هجوم خارجي، كما رأينا صعود قوة إلى مصاف القوى العظمى بدون أي سلاح.
الأولى هي الاتحاد السوفيتي، والثانية هي اليابان.
كان الاسبان الذين دمروا حضارات أميركا الوسطى والجنوبية يدفنون خيولهم بسرعة عندما تنفق، حتى لا يكتشف الهنود الحمر أن خيل الأسبان تموت؟!.
ولكن يا ترى هل نملك ذلك المستوى الرفيع من الوعي في أن نكتشف أن السلاح هو عتاد ميت!.