العدد 1767
الجمعة 16 أغسطس 2013
الإعلان الكوني (3) خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 16 أغسطس 2013

 نحن مع شهر «أوجست» من كل عام في ذكرى التحول العالمي لمفاهيم القوة والسلاح والحرب. ما حصل في(هيروشيما) لم يكن (تقنية) جديدة برزت في الحرب أو (سلاحاً سرياً) تم تطويره.

إنه في الواقع (إعلان كوني) عن دخول الإنسان عصرا جديداً؛ فهذا التطوير الجديد أدى إلى (تثوير جديد) في فهم العلاقات الإنسانية، كما ادى إلى إعادة النظر في مفهوم القوة بشكل بنيوي. 

إن هذه القوة الآن لم تعد قوة؟! إن رحلة القوة دخلت مرحلة (إلغاء القوة)، وهكذا حصل شيء عجيب مازلنا نتابع تطوره كالمسحورين، ولا نكاد نصدق، في تغير مصيري يغلف مصير الجنس البشري، حيث دخل العالم (نظرياً) مرحلة (السلام)، على الرغم من (طقطقات) الرصاص هنا وهناك.

هذه المرة دخل العالم السلام ليس مريدا له بل (غصباً عنه). 

أذكر من سورة فصلت: ثم قيل لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين. 

هكذا دخل الجنس الأبيض في عمومه طائعا بعد تجربة السلاح الذري؛ فلم يعد ثمة قتال في شمال الأرض إلا عند المتخلفين او لتأديب المتخلفين من أمثال سلوبودان وأراكان وراتوك ميلاديتج ورادوفان كاراديتش من سفاحي صربيا.

هكذا أَدخل العلمُ الإنسان السلم. العلم قاد للسلم. ولم تنفع كل مواعظ الصالحين السابقة، ولابكاء المعذبين، ولا نصائح الحكماء، ولا حتى كل مصادر الحكمة الإنسانية. 

الذي فعل هذا كان العلم؛ فالعلم والتطور العلمي الرهيب، كان أعظم في إعصاره من كل تصور، وأكبر من عقول السياسيين الضيقة، الذين لا يرون أبعد من أرنبة انفهم!. 

العلماء الذين فجروا السلاح الذري. الذين امتلكوا سره. هم من فهم ووعى روح العصر وحركة التاريخ. الذين سبروا غور الذرة. الذين فهموا تضاعيف الجزيئات دون الذرية، واليورانيوم غير المستقر، والانشطار أو الالتحام النووي، هم من شعر بأهمية السلم، وخطر (مفهوم القوة والجبروت) على مصير العالم والجنس البشري.

هذا هو الشعور الذي استولى على قانون الإسرائيلي حين اكتشف مفاعل ديمونة ولماذا خصص صرح إسرائيل لا تريد السلام!.

الذي أدرك هذا التطور الخطير هم ليسوا (العسكر) أو (البنتاغون)؛ فالعسكريون تنفيذيون. الذي أدركه هو من صنعه وطوَّره وولدَّه! العلماء المبدعون.

لذا نادى فورا (روبرت اوبنهايمر) (الرأس العلمي) للمشروع بالتوقف عن المضي في لعبة الموت هذه؛ فدعا إلى السلام بين الأنام، هو نفسه من رأى جهنم النووية وماذا فعلت في اليابان تشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا. 

توقف الرجل بعدها عن المضي في تسخير إمكانياته للسلاح النووي ووصل الى حافة الاعتقال السياسي واختفى من مسرح الأحداث!.

كذلك فعل (نيلز بور) الدانماركي؛ فاقترح عل كل من ترومان وتشرشل تدويل ومراقبة التسلح النووي. 

كذلك فعل من الطرف الألماني (فيرنر هايزنبرج) و(أوتو هان) الذين شعروا بالأسى الكبير بهذا التطور الجديد، الذي وضع الجنس البشري على حافة الفناء هذه المرة. 

هذا (التطور النوعي) لم يدركه السياسيون بالطبع، فضلاً عن شريحة واسعة من المفكرين والقادة في العالم الإسلامي، من أن العالم قد ولد ولادة جديدة؛ فالحرب اليوم لم تعد حرباً.

الحرب اليوم لم تعد حرباً! هل نستطيع تصور رجل يمشي في المدينة طوله سبعة أمتار ووزنه 500 كغ!! 

قد نتصوره ولكن يصبح من غرائب العالم؟!. 

ولكن لو رأينا كائناً كما في قصة (جوليفر) أعني إنساناً بطول يصل إلى (200) متر، ووزنه (500) طن، وهو يدب بأقدام تهتز لها الأرض، ولكنه على شكل الإنسان بحجم الديناصورات التي انقرضت؟! 

هل تبقى مخلوقات بشرية وكائنات آدمية؟.

إن الديناصورات اختفت من وجه اليابسة، وكائنات من هذا جديرة بالفناء، لإنها تحرك وحي (اركيولوجيا الانقراض) عند الكائنات الجديدة (عفواً الإنسان الجديد). هذه هي الحرب الجديدة! لمن شاء أن يتقدم أو يتأخر؟.

لم يدرك السياسيون ولا العسكريون الأميركيون كنه هذا التطور الجديد، وكانت توقعات (ليزلي جروفز) الرأس العسكري لمشروع مانهاتن في آلامو جوردو؛ أن السوفيات سوف يحتاجون إلى (25) عاماً، قبل اللحاق بأميركا في تطوير السلاح النووي!.

إلا أنه وفي صيف عام 1949 صعق الأميركيون بتصاعد الفطر النووي في صحراء (سيمي بالاتنسك) في منطقة (بوليجون) ـ البلد المسلم كازاخستان الذي كان يومها تحت الحكم السوفييتي ـ وانفلت السباق النووي على مصراعيه لكل من يريد!.

بعدها انطلق الأميركيون بمشروع أشد هولاً، فرجعوا إلى (إدوارد تيللر) الهنغاري الذي كان يستخف بعمل (روبرت اوبنهايمر) حينما كان يعمل معه في المخبر النووي في (لوس آلاموس). 

كان (تيللر) يرى أنه من تضييع الوقت والعبث الوصول إلى القنبلة الانشطارية، فهي مثل (عود الثقاب) أمام قنبلة (الميجاطن = القنبلة الحرارية النووية). 

قنبلة هيروشيما كانت من عيار (15 كيلو طن من مادة الــ ت. ن. ت) في حين أن قنبلة (إدوارد تيللر) كانت من عيار (مليون طن) من مادة الـ ت. ن. ت. 

انطلقت اميركا بعدها فيما سمي مشروع (مايك) حيث كانت تجربة قنبلة الميجاطن شيئاً مرعبا مروعاً؛ فلقد ارتفع الفطر النووي إلى (25) كيلو متر في السماء، وانخسفت الجزيرة إلى قاع المحيط، وهلكت الحياة النباتية والحيوانية في الجزر المجاورة، وانسلقت الأسماك طبخاً في أعماق المياه الباردة! كان عيار القنبلة (12,6) ميجاطن! أقوى من قنبلة هيروشيما بـ 625 مرة فأبشر بطول سلامة يا مريع!

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية